في خطاب الحروب والمقاومة، يُقدَّم “النصر” غالبًا بوصفه حقيقةً مكتملة لا تقبل النقاش—نقطة نهاية تُبرِّر كل ما سبقها من تضحيات، وتُضفي على الألم معنى، وعلى الدمار ضرورة. غير أن هذا الخطاب، عندما يُسقَط على الواقع اللبناني، يصطدم بسؤال لا يمكن تجاهله: من سيبقى أصلًا ليحتفل بهذا النصر؟
لبنان، في جوهره، ليس ساحة معركة ولا مجرد موقع جغرافي في خرائط الصراع، بل هو مجتمع حيّ، قائم على ناسه، على استمرارية أجياله، وعلى قدرته على الصمود والبقاء. وعندما يصبح هذا المجتمع نفسه مهددًا بالهجرة، بالنزوح، بالفقر، وبفقدان الأمل فإن أي حديث عن “نصر” يفقد معناه العملي، ويتحول إلى شعار منفصل عن الواقع.
منذ عام 2006، دخل لبنان مرحلة جديدة من تاريخه، حيث تعمّق انخراطه في صراعات إقليمية تتجاوز حدوده وإمكاناته. ومنذ ذلك الحين، لم يكن لبنان مجرد متأثر بما يجري حوله، بل أصبح، في كثير من الأحيان، ساحة متقدمة لهذه الصراعات، تحت عناوين متعددة: دعم، مساندة، تضامن، أو مقاومة. لكن، وبعد ما يقارب عقدين، يحق طرح السؤال بوضوح: ماذا جنى لبنان من هذا المسار؟
الجواب، بعيدًا عن الشعارات، يتجلى في الواقع الملموس: اقتصاد منهار، عملة فقدت قيمتها، مؤسسات مشلولة، وطبقة وسطى تكاد تختفي. لكن الأخطر من ذلك كله، هو ما لا يُقاس بالأرقام فقط الخسارة البشرية والاجتماعية التي تنخر في عمق المجتمع اللبناني.
في كل مرة يُفتح فيها باب المواجهة تحت عنوان “مساندة غزة”، يدفع لبنان ثمنًا باهظًا لا يقتصر على الجبهة العسكرية. القرى الحدودية تتحول إلى مناطق شبه خالية، العائلات تُجبر على النزوح، والمزارع تُترك بلا حصاد. المدارس تُقفل، الأطفال يُحرمون من تعليمهم، والحياة اليومية تتوقف. وفي كل جولة، يسقط ضحايا ليسوا فقط أرقامًا في نشرات الأخبار، بل قصص حياة تنتهي أو تتغير إلى الأبد.
المنازل التي تُدمَّر لا تُختزل في حجارة، بل هي ذاكرة، واستقرار، وإحساس بالأمان. وعندما يُهجَّر الناس من بيوتهم، لا يخسرون فقط مكانًا، بل يخسرون جزءًا من انتمائهم. ومع تكرار هذه المشاهد، يتحول النزوح من حالة مؤقتة إلى واقع دائم، وتتحول الهجرة من خيار إلى ضرورة.
الخسائر المادية، بدورها، تتراكم بشكل خطير. البنية التحتية التي بالكاد صمدت أمام الأزمات الاقتصادية، تتعرض لضربات جديدة. الطرق، شبكات الكهرباء، المؤسسات الإنتاجية—كلها تتأثر. المستثمرون ينسحبون، والسياحة تتراجع، والاقتصاد الذي يحتاج إلى الاستقرار لينتعش، يُدفع باستمرار نحو مزيد من الانكماش.
وإذا كان هذا المشهد يتكرر تحت عنوان “مساندة غزة”، فإنه يعاد إنتاجه أيضًا تحت عناوين أخرى، كما في التوترات المرتبطة بمساندة إيران، خصوصًا في السنوات الأخيرة، ومنها ما شهدناه في 2026. في كل مرة، يتغير الشعار، لكن النتيجة تبقى واحدة: لبنان يتحمل الكلفة، بينما تبقى المكاسب، إن وُجدت، غير واضحة أو بعيدة عن مصلحة المواطن اللبناني.
هنا، لا يعود السؤال فقط عن الكلفة، بل عن القرار نفسه: من يقرر أن يدخل لبنان في هذه المواجهات؟ وعلى أي أساس؟ وهل تُؤخذ في الاعتبار قدرة الدولة والمجتمع على تحمّل النتائج؟ أم أن لبنان يُستخدم كورقة ضمن حسابات إقليمية أكبر؟
الأكثر إثارة للقلق هو النمط المتكرر الذي يكاد يصبح قاعدة: في كل مرة تلوح فيها فرصة حقيقية لإنقاذ لبنان، يحدث ما يعيد الأمور إلى نقطة الصفر. عندما يظهر اهتمام دولي، أو عندما تبدأ ملامح دعم خارجي بالتشكل، أو حتى عندما يشهد الداخل بوادر استقرار كما حصل بعد انتخاب رئيس جديد وما رافقه من حديث عن انفتاح دولي وتضامن مع لبنان—سرعان ما يتبدد هذا الأمل.
تتصاعد التوترات فجأة، تُفتح جبهات، ويُعاد إدخال لبنان في دوامة الصراع. وكأن هناك مسارًا موازياً يعمل على تعطيل أي محاولة للنهوض. هذا التزامن ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر يستدعي التوقف عنده بجدية: لماذا تُجهض فرص الاستقرار في اللحظة التي تبدأ فيها بالتشكل؟ ومن المستفيد من إبقاء لبنان في حالة عدم استقرار دائم؟
في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن “الاستراتيجية” أمرًا ملحًا. هل ما يجري هو جزء من رؤية واضحة تحقق أهدافًا محددة؟ أم أنه تكرار لنهج لم يعد قادرًا على التكيف مع المتغيرات؟ المواجهة بحد ذاتها ليست استراتيجية، بل أداة وقيمتها تُقاس بنتائجها. وعندما تكون النتائج، في كل مرة، مدمرة للبنان، فإن الإصرار على تكرار الأداة نفسها يطرح علامات استفهام كبيرة.
القيادة، في مثل هذه الظروف، لا تُقاس بقدرتها على اتخاذ قرارات تصعيدية، بل بقدرتها على حماية شعبها. الحكمة ليست في خوض كل المعارك، بل في اختيار المعارك التي يمكن تحملها، والتي تخدم مصلحة الوطن. أما الزج ببلد هشّ في مواجهات مفتوحة، دون قدرة حقيقية على التحكم بمسارها أو نتائجها، فهو أقرب إلى المجازفة منه إلى القيادة.
وفي خضم كل ذلك، يبقى الإنسان اللبناني هو الخاسر الأكبر. ليس فقط من يفقد حياته أو منزله، بل أيضًا من يفقد ثقته بالمستقبل. الشعور العام بعدم الاستقرار، الخوف من الغد، وانعدام الأفق كلها عوامل تدفع الناس إلى الرحيل. ومع كل موجة هجرة، يخسر لبنان جزءًا من طاقته، من شبابه، ومن مستقبله.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: ماذا يعني “النصر” في بلد يُفرَّغ تدريجيًا من سكانه؟ إذا كان النصر لا يُترجم إلى استقرار، إلى فرص عمل، إلى حياة كريمة، فهل يبقى نصرًا؟ أم يصبح مجرد خطاب يُستخدم لتبرير واقع لا يمكن الدفاع عنه؟
إن النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المواجهات، ولا بحجم الشعارات، بل بقدرة الدولة على حماية شعبها، وعلى توفير حياة مستقرة لهم. النصر هو أن يبقى الناس في أرضهم، لا أن يغادروها. أن تُبنى المدارس، لا أن تُقفل. أن تُزرع الأرض، لا أن تُترك. أن يُخطط للمستقبل، لا أن يُهرب منه.
لبنان اليوم يقف أمام لحظة مصيرية. الاستمرار في النهج الحالي يعني المزيد من الاستنزاف، المزيد من الخسائر، والمزيد من التراجع. أما التغيير، فيتطلب شجاعة من نوع مختلف شجاعة إعادة النظر، والمساءلة، ووضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار آخر.
في النهاية، يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: من سيحتفل بالنصر، إذا لم يبقَ أحد؟ إذا استمر النزيف البشري، وتواصل الدمار، وتكررت الحروب، فقد يأتي يوم لا يكون فيه من يرفع علمًا، ولا من يطلق احتفالًا.
عندها، لن يكون السؤال عن معنى النصر، بل عن معنى البقاء نفسه.

