باريس ولندن تدفعان نحو التفاوض..واسرائيل تصعّد هجماتها البريّة والجويّة

تشير زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إلى بيروت إلى مستوى القلق الأوروبي المتصاعد من انزلاق الوضع اللبناني نحو حرب مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه تعكس حدود القدرة الفرنسية على فرض حلول. فالرجل لا يحمل مبادرة متكاملة، بل “سلّة أفكار” قابلة للنقاش، ما يعني أن باريس لا تزال في موقع اختبار النيات أكثر من امتلاك أدوات الضغط.

لقاءاته المرتقبة مع الرئيس جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس المجلس نبيه بري، تندرج ضمن محاولة إعادة فتح قنوات سياسية مجمّدة، لكنها تصطدم بواقع ميداني متفجّر، يجعل أي مسار تفاوضي هشًا وقابلًا للانهيار.

بالتوازي، يعكس الموقف البريطاني تحوّلًا لافتًا في مقاربة الأزمة، إذ أعلنت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر دعمها الواضح لدعوة لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. هذا الموقف يتقاطع مع الرؤية الفرنسية، لكنه يتقدّم خطوة إضافية عبر كسر “التحفّظ التقليدي” تجاه فكرة التفاوض العلني.

رفع المساعدات البريطانية مؤشر إنساني مهم، لكنه لا يخفي حقيقة أن لندن ترى في الحل السياسي المدخل الوحيد لاحتواء التصعيد، في ظل قناعة أوروبية متزايدة بأن الحرب الحالية بلا أفق عسكري حاسم.

ماكرون: سلاح حزب الله عقدة الحل

تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون تعكس جوهر المقاربة الغربية: لا يمكن معالجة ملف سلاح “حزب الله” بالقوة العسكرية، بل عبر مسار سياسي طويل ومعقّد. هذا الطرح يقرّ ضمنيًا بفشل الخيار العسكري الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، لكنه في المقابل يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار صعب: هل تملك القدرة على إدارة هذا المسار؟

المشكلة هنا أن أي حديث عن “نزع السلاح” يصطدم بميزان قوى داخلي مختل، حيث لا تزال الدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة، في ظل حضور عسكري وسياسي للحزب يتجاوز مؤسساتها.

موقف أوروبي مزدوج: إدانة إسرائيل والحزب معًا

الاتحاد الأوروبي يتبنى مقاربة مزدوجة: الدعوة إلى وقف العمليات الإسرائيلية من جهة، وإدانة دور “حزب الله” في جرّ لبنان إلى الحرب من جهة أخرى. هذا التوازن يعكس محاولة أوروبية للحفاظ على دور الوسيط، لكنه يكشف أيضًا عن رؤية تعتبر أن الأزمة الحالية هي نتيجة تفاعل داخلي وإقليمي، لا مجرد عدوان خارجي.

الأرقام الإنسانية – مئات القتلى ومليون نازح – تضغط باتجاه تسريع الحل، لكنها لم تتحول بعد إلى عنصر حاسم يفرض وقفًا لإطلاق النار.

الداخل اللبناني: سلطة مأزومة وسيطرة مزدوجة

داخليًا، تبدو الدولة اللبنانية في موقع دفاعي. فبحسب المعطيات، تسعى حكومة نواف سلام إلى الحدّ من الخسائر، دون امتلاك أدوات فعلية لتغيير مسار الحرب.

في المقابل، تشير المعلومات إلى نفوذ متزايد لـ“الثنائي الشيعي” في إدارة ملف النزوح والمساعدات، ما يعزز واقع “السلطة الموازية”، ويضعف موقع الدولة في أي مفاوضات دولية محتملة.

هذا الواقع يفسّر جزئيًا غياب الحماسة الدولية للتجاوب مع المبادرات اللبنانية، إذ لا يزال الشركاء الدوليون يشككون بقدرة الدولة على تنفيذ أي التزامات مستقبلية.

الميدان يفرض إيقاعه: تصعيد وتوغّل

على الأرض، يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته، مع دخول الفرقة 36 وتوسيع نطاق الغارات، في مؤشر إلى نية إطالة أمد المواجهة. في المقابل، يثبت “حزب الله” قدرته على الرد، ما يعزز معادلة “الاستنزاف المتبادل” دون حسم.

هذا التوازن السلبي يجعل الحرب مفتوحة على سيناريو طويل، حيث لا انتصار واضح لأي طرف، بل كلفة متصاعدة على لبنان تحديدًا.

بين التفاوض والانفجار: لحظة حاسمة للبنان

في المحصلة، يقف لبنان أمام مفترق حاسم:

إما الانخراط في مسار تفاوضي مدعوم دوليًا – رغم كلفته السياسية الداخلية – أو الانزلاق نحو حرب طويلة تستنزف الدولة والمجتمع.

المواقف الفرنسية والبريطانية تشكّل نافذة فرصة، لكنها تبقى محدودة ما لم تترافق مع إرادة داخلية لبنانية موحّدة. فالأزمة لم تعد فقط أزمة حرب، بل أزمة دولة وقدرتها على استعادة قرارها السيادي.

في ظل هذا المشهد، تبدو المعركة الحقيقية سياسية بامتياز: من يملك قرار الحرب… ومن يملك قرار السلام؟

السابق
حسين دهقان أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: جنرال الحرس في مهمة إنقاذ النظام بعد اغتيال لاريجاني
التالي
تمديد عطلة عيد الفطر لغاية الاثنين