كم هو صعب ان تنتقد الفساد كنتيجة لإساءة استخدام السلطة في الوقت الذي تفتقد فيه وجود هذه السلطة، المصادَرة من قبل تنظيم عسكري خارج عن القانون، او المهدّدة بالزوال كلياً اذا استمر العدوان الإسرائيلي على لبنان وتعرّض الكيان للتفكك، هو المفترض ان يحتضن هذه السلطة. سأعود في نهاية النص، للربط بين موضوع الندوة واشكالية السلطة في لبنان في ظروف هيمنة السلاح.
ملتزماً بعنوان الندوة، سأتفحص من خلال بعض الملاحظات، العلاقة بين “الفساد” و “القوى الحية في مواجهة الفساد”.
1- يعرّف البنك الدولي “الفساد” (فيما يبدو أنه من التعريفات المعتمدة دوليًا)، ب “أنه شكل من أشكال خيانة الأمانة أو الجريمة يرتكبها شخص أو منظمة يُعهد إليها بمركز سلطة، وذلك من أجل الحصول على مزايا غير مشروعة أو إساءة استخدام تلك السلطة لصالح الفرد”.
ومن أنواعه، الرشوة أو الاختلاس أو المحاباة او الابتزاز…
2- أعلنت جمعية “الشفافية الدولية لبنان – لا فساد” أن مؤشر مدركات “الفساد” لعام 2025 سجّل درجة 23 من أصل 100 واحتل المرتبة 153 من بين 182 دولة، محققاً تقدمًا طفيفًا مقارنة بالعام 2024 حين حصل على 22 على 100، وقد شهدت الأعوام العشرة السابقة تأرجحًا في موقع لبنان”. كلما اقترب المؤشر من ال 100 كلما كانت البلاد أقل فساداً، مع العلم أن المعدل العام للمؤشر في العالم لسنة 2025 هو 42 على مئة. و”مؤشر مدركات الفساد” CPI يعكس “مدركات” الفساد وليس بالضرورة حقيقته، إذ أن معنى “المدركات” هو كيفية تقدير مجموعة من المؤسسات لواقع الفساد في بلد ما. ولهذا السبب جرى انتقاد هذا المؤشر من قبل العديد من المعنيين حول العالم.
3- يتكلم العنوان عن “القوى الحية في مواجهة الفساد”، والمقصود الأفراد أو الجمعيات التي تواجه الفساد في لبنان. نتيجة استقصاء سريع وغير مكتمل بالتأكيد، تواصلت مع بعض الأفراد والجمعيات المعنية: الصحافية الأستاذة غادة عيد، المحامي الأستاذ واصف الحركة عن “المرصد الشعبي لمكافحة الفساد”، والأستاذ أسعد ذبيان عن جمعية “غربال”. كما اطلعت على أدبيات “الشفافية الدولية- لبنان” وعلى بعض المعطيات الخاصة ب “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد” التي أنشئت في عام 2020 في لبنان.
مجدداً، هذا لا يشمل جميع الأفراد أو الجمعيات الذين يواجهون الفساد في لبنان، لكنني أعتقد أنهم أبرز من يقوم بذلك، بالإضافة الى “المفكرة القانونية” و”روّاد العدالة”، اللذين لم يسمح لي الوقت للأسف للتواصل معهما. ويمكن القول أن “القوى الحية” في مواجهة الفساد في لبنان قليلة جداً دون ان نكون مجحفين بحكمنا هذا. للأسف مثلاً، ان روابط القطاع العام، في التعليم الرسمي أو في الإدارات العامة، وهي المعنية الاولى بشؤون القطاع للعام، لا تضع من ضمن أولوياتها قضية الفساد في القطاع العام ولا تشير إليه إلا نادراً، ربما لأن توظيف العاملين جاء على أساس “الزبائنية”، المرتبطة بأحزاب السلطة، التي تهيمن على هذه الروابط. لكن ما قامت به مؤخراً “رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي” برئاسة الدكتورة نسرين شاهين، شكّل استثناء، اذ شهّرت ببعض ممارسات الفساد في وزارة التربية. ومعروف أن هذه الرابطة مستقلة عن أحزاب السلطة، وقد أثبتت ذلك في ممارساتها المتعاقبة.
4- تدني “مؤشر مدركات الفساد” في لبنان يدل في آن واحد على استشراء الفساد في لبنان، وعلى ضعف القوى التي تواجهه.
في دراسة “لجمعية الشفافية الدولية” على سنوات عديدة، جرى استنتاج علاقة بين الفساد في الدول وحالة الديمقراطية، كما بينه وبين حالة حريات المجتمع المدني.
الفساد والديموقراطية
فيما يتعلق بالعلاقة بين الفساد والديمقراطية تبين أن معدل “مؤشر مدركات الفساد” في البلدان الأكثر ديمقراطية يقارب 71، ويتدنى إلى 47 في البلدان التي تمارس فيها بعض عناصر الديمقراطية مثل الانتخابات لكن فيها ضعف من حيث تطبيق القوانين والحقوق المدنية، ليهبط إلى 32 في البلدان التي تنعدم فيها الديمقراطية.
أما بالنسبة للعلاقة بين الفساد وحريات المجتمع المدني، فتشير الدراسة إلى النتائج التالية:
المعدل في البلدان حيث “الحريات مفتوحة” يقارب 68؛
المعدل في البلدان حيث مساحة الحريات “ضيقة” 51؛ المعدل في البلدان حيث الحريات “مفرملة” 38؛
المعدل حيث الحريات “مقموعة” 32؛
المعدل حيث الحريات “مقفلة” 30.
ليس لدي معطيات عن الدراسة تشير إلى كيفية تصنيف لبنان من حيث مستوى الديمقراطية أو من حيث مستوى الحريات. لكن على الأرجح أنه أُعتبر من بين بلدان “الديمقراطية الناقصة” و “الحريات المفرملة”، مع أن “مؤشر مدركات الفساد” الخاص بلبنان أي 22 يبقى دون معدلات هذه التصنيفات، وهو أقرب إلى معدل البلدان المصنفة “غير ديمقراطية” وحرياتها “مقفلة”. وهذا ما يجعلنا نستنتج أن هناك عوامل أخرى في لبنان تعظّم من مشكلة الفساد ولا تقتصر على حالتي “الديمقراطية” و”الحرية”.
وفقًا لدراسة عالمية أجريت عام 2017 حُدِّدت العوامل التالية كأسباب للفساد: جشع المال، مستوى أعلى من السوق والاحتكار السياسي، ضعف الشفافية السياسية، مستويات أعلى من البيروقراطية وهيئات إدارية غير فعالة، حرية الصحافة منخفضة، انقسامات عرقية كبيرة ومستويات عالية من المحسوبية داخل الجماعة الوطنية، عدم المساواة بين الجنسين، الفقر، عدم الاستقرار السياسي، حقوق ملكية ضعيفة، عدوى من دول مجاورة فاسدة، انخفاض مستوى التعليم، عدم الالتزام تجاه المجتمع، تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
لا شك أن معظم هذه العوامل المؤثرة سلبياً بظاهرة الفساد موجودة في الحالة اللبنانية وبدرجات عالية بالنسبة لبعضها.
٥- فلننتقل الآن من “مدركات الفساد” والتحليل النظري إلى “مدركات أصحاب القضية”، أي إلى آراء ممثلي “القوى الحية” التي تواجه الفساد على الأرض، مع التأكيد مرة أخرى أن هذه الآراء لا تختصر آراء جميع هذه القوى، أفرادًا وجمعيات، والتي تحركت أو تتحرك ضد الفساد.
استخدمت “القوى الحية” وسائل عدة لمواجهة الفساد، يمكن جمعها تحت خمسة عناوين:
أ- تعريف الناس على المؤسسات التي عليها مواجهة الفساد قانونًا من مثل: ديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية، وغيرهما، وتوعيتهم على واقع أنه جرى تعطيل دورها وضرورة تفعيله.
ب- تعميم المعلومات حول الفساد وكل ما يتصل به عبر الوسائل المتاحة.
ج- الاشتباك المباشر مع السلطة أو مع الإدارة في أماكن الفساد عن طريق تنظيم اعتصام مثلًا. ويهدف الاشتباك إلى لفت نظر الرأي العام حول الفساد للانتقال بعد ذلك إلى رفع الدعاوى وتقديم الملفات. وتتم هذه العملية بالتعاون مع موظفي الإدارات المعنية، الذين يساهمون في تقديم المعلومات.
د- تنظيم أنشطة ( لقاءات، مؤتمرات) حول القوانين من أجل تعديلها أو إقرارها (قانون الإثراء غير المشروع مثلًا).
ه- التركيز على القضايا ومتابعة الشكاوى بين القضاء والرأي العام، وتقديم إخبارات.
كيف تقيّم القوى الحية تجربتها؟
مع إقرار الجميع بالنتائج المحدودة لمواجهتهم للفساد، الا انهم يعتقدون أن ما قاموا به كشف للناس حقيقة “المافيات” والشبكات القائمة بينها وبين السلطات المعنية.
ويرى البعض أن الفساد في لبنان أصبح مكشوفًا ولم يعد يحتاج إلى كشف إضافي، بل إلى متابعة فعلية مع القضاء بدل الإكثار من القضايا دون متابعة، مما يؤدي إلى إحباط في اوساط الرأي العام.
ويعتبر البعض أن رأس الفساد هو الفساد السياسي، لذلك فالمواجهة ليست سهلة، لا سيما أن هذا الفساد تغذّيه منظومة الطوائف وتتغذى منه. فيما يرى آخرون أن المشكلة ليست فعليًا في النظام الطائفي بقدر ما هي في عدم استقلالية القضاء، ويركزون على أهمية استقلاليته وخاصة ضرورةاستقلالية النيابة العامة المالية التي تعيّنها الحكومة.
بحسب معظم المعنيين، فإن أبرز العقبات أمام مواجهة الفساد هي:
– ذهنية المواطن اللبناني الذي تأقلم مع الفساد كأفضل طريقة للحصول على حقوقه، وهذا ما يحتاج إلى مشروع تربوي لإبراز عقم هذه الممارسات الفردية بالمقارنة مع مقاربات تعلي من أهمية الشأن العام والمصلحة العامة. الخلط بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة في أذهان اللبنانيين، وصل إلى درجة ان أحد النقابيين وفي ورشة كنت ادرّب فيها حول الخصخصة، اكّد انه ضد خصخصة الشركة التي يعمل فيها، متناسياً انها شركة خاصة لكن يملكها زعيمه السياسي، فالزعيم في ذهنه يمثّل العام.
– النظام الطائفي والزبائنية.
– عدم استقلالية القضاء الخاضع للسيطرة السياسية.
– ضعف اشتغال أجهزة الرقابة.
– ضعف الشفافية.
– توزع الجهود الفردية للعاملين ضد الفساد وتشتيت العمل في غياب التنسيق الجماعي.
على مستوى آخر إن جميع الذين تواصلت معهم لا يرون أي فائدة من وجود “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد”، التي بحسب رأي بعضهم ساهم في تأسيسها الرئيس ميشال عون ليستخدمها بوجه الرئيس برّي الذي يهيمن على النيابة العامة المالية. كما أنهم يرون في عمل “الشفافية الدولية – فرع لبنان” ممارسة “نخبوية” لا تتجاوز عقد اللقاءات والمؤتمرات.
السؤال الكبير الذي يطرح نفسه في نهاية مداخلتي، ويمهّد لربط موضوعنا بمأساة الحرب التي نعيشها اليوم، هو ما إذا كان اشتغال النظام الطائفي هو فعلًا المسؤول عن الفساد في حقبة كان السلاح يتحكم بالمسار السياسي: من سلاح الميليشيات في الحرب، إلى الاحتلال الإسرائيلي والسوري، إلى هيمنة حزب الله بسلاحه على الحياة السياسية.
هذا السؤال يولّد تساؤلات اتمنى فتح نقاش حولها في مناسبات لاحقة:
– هل كان النظام الطائفي يشتغل فعلياً بآلياته السياسية حتى نحمّله المسؤولية، ولا سيما ان النظام السياسي تعطّل بسبب هيمنة سلاح، وخاصة سلاح حزب الله، ولفترات طويلة؟
– هل فعلاً ان هذا النظام الطائفي كان يعمل فعلياً بآلياته السوسيو- سياسية، بعد أن قُطعت رؤوس زعماء الطوائف: جنبلاط، الصدر، الجميّل والحريري، ولم يبقَ حتى وقت قريب سوى نصرالله الزعيم الشيعي الذي حلّ مكان الصدر؟
– هل ان إهمال عنصر السلاح، من قبل فريقَي مواجهة الفساد(الفريق الذي يركّز على النظام الطائفي كما الفريق الذي يركّز على استقلالية القضاء) كان له تأثيره على مقاربة مشكلة الفساد بمجملها؟
– اذا لاحظنا ان قيادة “المرصد الشعبي لمكافحة الفساد” كما “غربال” انتقلت من حركة “إسقاط النظام الطائفي” سنة ٢٠١١ تيمّنا بشعار الربيع العربي “الشعب يريد إسقاط النظام”، الى حراك “طلعة ريحتكن”، ومن ثم إلى “انتفاضة ١٧ تشرين”، ليستقرا حالياً حيث هما اي في حركتين لمواجهة الفساد، الا نعتقد ان انبعاثهما من حركة إسقاط النظام الطائفي، جعلهما اسيرَين لهذه النظرة؟ واستطراداً لو أن انتفاضة ١٧ تشرين تجرأت على مواجهة سلاح حزب الله ولو بالموقف لأنه وقف صراحة بوجهها، وذلك في سعيها لمواجهة الفساد في النظام ككل، ألم يكن عدد “القوى الحية” التي تواجه الفساد اليوم أكبر بكثير ، بدل أن يتقلّص العدد ويركّز حصرياً على مواجهة الفساد بعيداً عن مواجهة النظام، والذي حال السلاح دون مواجهتهما معاً؟
– اما التساؤل الأخير والذي يمكن ان يعدّل في النظرة الى الموضوع ككل: إلى اي مدى سمح فساد المجتمع بشكل عام ومن ايام العثمانيين، بإستشراء هذه اللامبالاة عند المواطنين، بشأن دولتهم ووطنهم، والتي جعلت من تنظيم مسلّح اسسه ورعاه الحرس الثوري الايراني، ان يحكم سيطرته على السلطة، مروراً بإحكام هيمنته الإيديولوجية على معظم المواطنين من الطائفة الشيعية؟ وربما كان تفجير مرفأ بيروت من الأحداث التي كشفت فساد السلطة على المستويات السياسية والإدارية والعسكرية والقضائية، والتي تواطأت مع “حزب الله” وغضّت النظر عن وجود النيترات لسبع سنوات كاملة.

