لبنان بين حرب الآخرين وفرصة الدولة: هل تأخر الوقت؟

منى فياض

تُعرف إسرائيل بكونها دولة معتدية، تضرب لبنان لحماية أمنها وردع خصومها، متسببة بأوسع تدمير ممكن للبنية التحتية وللمجتمع يمكنها تحقيقهما. وإيران تستخدم حزب الله في المواجهة، ليس من أجل لبنان أو شعبه، بل ضمن استراتيجيتها الإقليمية القائمة على ردع إسرائيل والولايات المتحدة، بهدف الحفاظ على نظامها. فلبنان هو خط ردع متقدم ضد إسرائيل. إيران منحت حزبها قوة عسكرية كبيرة على حدود إسرائيل ليخلق توازن ردع بخدمتها. فأصبح لبنان ورقة تفاوض إقليمية، وورقة ضغط كلما تصاعد الصراع.

طبقت الدولة، خلال عام ونصف العام، ما اعتبرته حلاً ومساراً واقعياً يخفف الكارثة، لأنها وجدت أن المواجهة تؤدي إلى تدمير الدولة بدل إنقاذها. أرادت تثبيت سيادتها، وإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الجيش، وتطبيق القرارات الدولية، تدريجياً.

لكن شيئاً من ذلك لم يحصل إتمامه. وتبين أن الانتظار ساهم في الانهيار. والنتيجة: الحرب المفتوحة على لبنان وعاصمته وسائر المناطق.

قرار سيادي متأخر… وازدواج سلطة كامل

استفاقت الدولة متأخرة، وأعلنت قرارها السيادي الواضح: بأن قرار الحرب والسلم بيد الدولة حصراً، أي أن الحزب، نظرياً، أصبح قوة مسلحة غير شرعية. لكن الحزب لا يلتزم به. ما الذي نعيشه الآن فعلياً؟ ليس مجرد أزمة سياسية، بل ازدواج سلطة كامل:

الدولة تقول إن الحرب قرارها. الحزب يقول إن الحرب قراره. أي أن لبنان أصبح فيه مرجعان للسيادة.

لبنان الآن بين كماشتين، فأيهما أفضل: أن تقضي علينا إسرائيل أم إيران بواسطة حزب الله؟ هل على الدولة البقاء في دائرة التردد والعجز؟ وهل لا يزال لديها القدرة على احتواء حرب الستة صواريخ؟ أم فاتها الوقت وتأخرت حتى أوقعت لبنان في هذه الحفرة؟

أثناء تلكؤ السلطة في تطبيق ما عليها، كان الحزب يستعيد قدراته وتسليح نفسه حتى لحظة بانتظار أوامر إيران، إلى أن فتح النيران على إسرائيل انتقاماً لمقتل خامنئي وبأمر من الحرس الثوري.

التهجير الكبير… ضغط داخلي وانفجار مؤجل

تتسبب هذه الحرب بتهجير مئات الآلاف، دون أفق لأي إمكانية لعودتهم. ما يشكل، وسيشكل، ضغطاً داخلياً متزايداً يهدد باحتمالات شتى، ليس أقلها تفسخ واهتراء الوضع الداخلي اللبناني، وتهديد التوازن الهش بين مكوناته.

في هذا الوقت، وسعت إسرائيل عدوانها على أحياء بيروت، وبدأت أصوات اعتراض بالارتفاع في أوساط المتضررين، بسبب تسلل عناصر تابعة لحزب الله ولحلفائه بينهم. هذه العناصر المسلحة (ولو بشكل غير ظاهر) تنتشر في الأحياء وبين المهجرين، تؤطرهم وتساعدهم على التأقلم، وتراقبهم في نفس الوقت. فأي اعتراض، إذا تم التفكير به، قد يصدر عن هؤلاء الضائعين والخائفين والقلقين على مستقبلهم؟

لبنان الآن بين كماشتين، فأيهما أفضل: أن تقضي علينا إسرائيل أم إيران بواسطة حزب الله؟ هل على الدولة البقاء في دائرة التردد والعجز؟

تبدو الحرب في لبنان مستمرة، سواء انتهت حرب إيران أو توقفت. تحاول السلطة القيام بمبادرات، لكن نجاح التزامن بين صواريخ الحزب وصواريخ إيران بإلحاق الأذى بإسرائيل، سمح للحزب باستعادة أنفاسه وتعالي نبرة التهديد وإملاء الشروط مجدداً على الرئاسة وعلى الحكومة.

فما هي الاحتمالات في حال استمر الوضع الحالي؟ جميع الاحتمالات سيئة. فإذا افترضنا صمود الحزب، وبقي متمركزاً في القسم ذي الغالبية المسلمة من بيروت، فما هو السيناريو لمستقبل لبنان؟ وما هو موقف السكان من غير جمهور المهجرين؟ وما هو موقف الرئاسة والحكومة والشريك المسيحي؟ في ظل تصاعد ارتفاع أصوات المطالبين بالفدرالية وصولاً إلى التقسيم؟

ما العمل أمام احتمال أن تنفذ إسرائيل أجندتها، فتسيطر على مناطق من الجنوب، وإعادة احتلال المناطق التي تريدها؟ وما هي ردود فعل المكونات المذكورة؟

إذا نجا الحزب… هل يرتد على الجميع؟

أما إذا نجا الحزب وانتصر، فهل سيرتد على الجميع؟ وما هي حظوظ استعادة مطلبه في بداياته: إقامة دولة إسلامية تدين للولي الفقيه وإمبراطوريته الإسلامية؟

ماذا سيعني كل ذلك، وكيف ينعكس كل ذلك على لبنان ومستقبله؟ هل سيعني ذلك زوال لبنان الذي نعرفه وخرابه مع خصوصياته وحرياته وتعدديته؟ هل سيحصل الصدام بين الحزب وأهالي المناطق التي لجأ إليها الجمهور؟ ما هو موقف الجيش تجاه هذه الاحتمالات؟ أم سيتحقق تهديد جريدة الأخبار ورغبتها في تقسيمه؟

السؤال: أكان من الأفضل لو أن الدولة ألزمت جيشها بإتمام المهمة بدل تركها لإسرائيل ولإيران تخريب البلد؟

هل سنترك لبنان ليتحول إلى أرض حرب دائمة بين قوتين إقليميتين؟ ويتدمر ما تبقى من الدولة والمؤسسات، ويتثبت واقع الكانتونات أو الاحتلالات الجزئية، فينتهي لبنان؟

إذا نجا الحزب وانتصر، فهل سيرتد على الجميع؟ وما هي حظوظ استعادة مطلبه في بداياته: إقامة دولة إسلامية تدين للولي الفقيه وإمبراطوريته الإسلامية؟

نبيه بري… إدارة التوازن أم إدارة النجاة الشخصية؟

وهنا يأتي دور الرئيس نبيه بري الذي، تحت شعار إدارة التوازن داخل الطائفة الشيعية، يقوم بكل ما يلزم لحفظ رأسه ومصالحه، قبل الحفاظ على الدولة اللبنانية وسيادتها. يبدو حالياً وكأنه تراجع عن إمكانية مواجهة الحزب. مواقفه متذبذبة، إذ يقول إنه لا يريد انهيار الدولة، يقبل بمواقف السلطة ثم يتراجع عندما يتشدد الحزب أو يصمد.

باختصار، يرفض أي نقاش حول السلاح الآن، لأنه يعني الاستسلام أثناء الحرب. لذلك يفضل القتال أولاً ثم النقاش لاحقاً.

لكن المشكلة أن هذه المعادلة تعني أن أهل الجنوب، ولبنان كله، يدفعون الثمن. لبنان مهدد بالفناء.

لننتظر مصير اقتراح لبنان بمفاوضات سياسية مباشرة.

السابق
نتنياهو يظهر في فيديو «فنجان قهوة».. بعد شائعات اغتياله و«أصابعه الستّة»
التالي
الناس بالناس.. وقطة هيئة تنظيم الاتصالات في لبنان بالنفاس!