الناس بالناس.. وقطة هيئة تنظيم الاتصالات في لبنان بالنفاس!

عبد المنعم يوسف

بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦، أي بعد بدء الحملة الإسرائيلية الهمجية على لبنان، قامت هيئة تنظيم الاتصالات في لبنان بإطلاق طلب تقديم عروض/اقتراحات خدمات استشارية لإعداد ملف تلزيم واتفاقية الإدارة والتشغيل لشبكتي الهاتف الخلوي، وذلك على صفحتها الخاصة على الشبكة المهنية العالمية “لينكدإن” LinkedIn.

إذ أعلنت هيئة تنظيم الاتصالات (TRA)، في هذه الظروف القاهرة، عن نشر طلب تقديم عروض (RFP) للحصول على خدمات استشارية لدعم إعداد عملية مناقصة تنافسية لإدارة وتشغيل شبكتي الهاتف الخلوي المملوكتين من الدولة في لبنان (MIC1 – Alfa وMIC2 – Touch).

وأعلنت هيئة تنظيم الاتصالات أن هذه المهمة تهدف إلى دعم إعداد إطار حديث لاتفاقية الإدارة والتشغيل (MOA)، بما يعزز الحوكمة، ويحسن جودة الخدمات، ويساهم في تحديث شبكات الهاتف الخلوي في لبنان.

وتدعو الهيئة الشركات الاستشارية المؤهلة إلى تقديم عروض فنية ومالية في موعد أقصاه 30 آذار 2026، الساعة 12:00 ظهراً، وذلك وفقاً لوثائق طلب تقديم العروض.

وأعلنت هيئة تنظيم الاتصالات في بيانها أن عملية اختيار العرض الأفضل ستتم بناءً على معايير مالية ومعايير أخرى غير السعر (QCBS)، وذلك بما يتماشى مع قانون الشراء العام رقم 244/2021.

طلب عروض في قلب الحرب

تعليق:

في عزّ دين الاعتداء الإسرائيلي على لبنان منذ تاريخ ٢ آذار،

وبالرغم من وجود حوالي مليون مهجّر لبناني من قرى الجنوب ومن بلديات وأحياء الضاحية والبقاع،

وبالرغم من تدمير كلي لأكثر من ٢٣ ألف بيت ووحدة سكنية إضافية خلال أقل من أسبوعين،

وبالرغم من تهجير كلي أو جزئي لأكثر من ١١٠ قرية وبلدية وحي لبناني،

وبالرغم من قصف إسرائيل لأحياء في العاصمة بيروت، من الرملة البيضاء، إلى عائشة بكار، إلى زقاق البلاط (على بعد أمتار من السراي الحكومي، ومن المقر العام للإسكوا، ومن المقر العام لوزارة الاتصالات وهيئة تنظيم الاتصالات)، إلى حي رأس النبع، إلى منطقة سليم سلام، إلى الباشورة،

وبالرغم من سقوط حوالي ١٠٠٠ شهيد وأكثر من ٦٣٠٠ جريح منذ تاريخ ٢ آذار،

وبالرغم من انشغال الحكومة ووزاراتها المختلفة وإداراتها العامة والرؤساء الدستوريين الثلاثة ومجلس الأمن والكون بأسره بالحرب الوالعة في الخليج وآثارها،

وبالرغم من تضرر خدمات الاتصالات والإنترنت والداتا والخليوي على أنواعها في لبنان،

وبالرغم من العجز الواضح والفاضح والمعيب الذي أظهرته وزارة الاتصالات ومديرياتها العامة وشركتا الخليوي وهيئة أوجيرو وهيئة تنظيم الاتصالات في إدارة الآثار الناتجة عن الحرب الإسرائيلية على قطاع الاتصالات وانقطاع الخدمات كلياً أو جزئياً، وغيابها عن أماكن الإيواء، ووضع خطة طوارئ وطنية لمواجهة ومواكبة واحتواء آثار العدوان مع الوزارات المعنية الأخرى،

وبالرغم من تعطل حركات شركات الطيران الكبرى من وإلى لبنان،

الأولوية ليست للناس… بل للصفقات؟

بالرغم من كل ذلك، يبدو أنه لا يوجد أي شيء آخر ومستعجل وطارئ عند وزير الاتصالات وعند هيئة تنظيم الاتصالات أهم من إنفاذ عملية التعاقد مع شركات من القطاع الخاص لإدارة وتشغيل شبكتي الخليوي اللبنانيتين، بدلاً من الإدارتين اللبنانيتين الحاليتين.

إن الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي والمعيشي والاجتماعي الذي يعيشه لبنان، شعباً ومؤسسات ودولة، تحت العدوان الإسرائيلي الهمجي المتواصل يومياً ٢٤/٢٤، لا يوفر مطلقاً أية شروط إدارية ولا أية ظروف عملانية، ولو بحدودها الدنيا، تسمح بنجاح العملية المطروحة من قبل هيئة تنظيم الاتصالات بما يضمن مصلحة الدولة اللبنانية.

هل هي مناقصة… أم تهريب صفقة؟

إلا إذا كانت العملية المطروحة من قبل هيئة تنظيم الاتصالات هي، في الحقيقة والواقع، عملية صورية وسطحية، هدفها تغطية تمرير وتهريب صفقة زبائنية فاسدة مع شركات خاصة جاهزة وحاضرة وناضرة للفوز بهذه العقود.

وبالتالي، تكون الظروف الحالية الصعبة، التي لم يشهدها لبنان منذ عام ١٩٢٠، هي في الواقع الظروف المثالية لتهريب هذه الصفقة الفاسدة خلف جدار الدخان الكثيف الناتج عن صواريخ وقذائف وانفجارات العدوان الإسرائيلي الغاشم والشرس على لبنان.

بئس هؤلاء المسؤولين العامين. هؤلاء الذين يعتاشون على جثث الموتى، خلال مسيرات الجنائز.

السؤال المشروع: على أي كوكب تعيشون يا أيها “المسؤولون” عديمو الحس بمسؤولية الحفاظ على المال العام، وعلى المصلحة العامة للدولة، وعلى الخدمة العامة للمواطن؟؟

السابق
لبنان بين حرب الآخرين وفرصة الدولة: هل تأخر الوقت؟
التالي
مفاوضات بين لبنان وإسرائيل في الأيام المقبلة.. هل ستمنع الاجتياح البري؟