في كل مرة يطل فيها الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بخطاب جديد، يعيد إنتاج السردية نفسها: شعارات عن المستضعفين، حديث عن تحرير فلسطين، واتهامات للولايات المتحدة وإسرائيل بكل كوارث المنطقة. خطاب طويل مليء بالكلمات الكبيرة، لكنه في جوهره محاولة لتغطية حقيقة باتت واضحة: أن المشروع الذي يتحدث باسمه لم يحرر فلسطين، بل ساهم في تدمير لبنان.
مرة أخرى، يحاول قاسم إقناع اللبنانيين بأن الحرب التي يعيشونها هي جزء من معركة كبرى لتحرير فلسطين. لكن اللبنانيين الذين يعيشون الانهيار الاقتصادي، والدمار، والهجرة الجماعية، لم يعودوا يملكون رفاهية تصديق هذه الروايات.
الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن لبنان لم يعد بلداً يقرر مصيره بنفسه.
القضية الفلسطينية قضية عادلة بلا شك، لكن تحويلها إلى ذريعة دائمة لجرّ لبنان إلى الحروب هو أكبر عملية خداع سياسي في تاريخ المنطقة.
فبعد عقود من شعارات “المقاومة”، ماذا كانت النتيجة؟
فلسطين لم تتحرر.
لكن لبنان انهار.
الدولة تفككت، الاقتصاد دُمّر، المؤسسات شُلّت، والشباب يهاجرون بالآلاف. أما الجنوب اللبناني الذي يُفترض أنه خط المواجهة مع إسرائيل، فقد تحول إلى ساحة حرب مفتوحة يدفع أهلها الثمن في كل جولة.
ورغم ذلك، لا يزال الحزب يصرّ على تكرار الخطاب نفسه وكأن شيئاً لم يتغير.
السؤال الذي يهرب منه خطاب نعيم قاسم هو السؤال الأكثر وضوحاً: من يملك قرار الحرب في لبنان؟
ليس البرلمان.
ليس الحكومة.
ولا حتى الجيش.
القرار موجود في يد حزب واحد مسلح خارج الدولة، مرتبط استراتيجياً بإيران، ويعلن صراحة أنه جزء من مشروع إقليمي يتجاوز حدود لبنان.
بكلمات أخرى، لبنان اليوم ليس دولة كاملة السيادة.
إنه بلد مخطوف.
يتحدث الحزب دائماً عن “التضحيات”، لكنه لا يتحدث عن الكلفة الحقيقية لهذه السياسات.
الكلفة هي اقتصاد منهار بالكامل.
الكلفة هي نظام مصرفي مفلس.
الكلفة هي ملايين اللبنانيين الذين خسروا مدخراتهم.
الكلفة هي جيل كامل لم يعد يرى مستقبله في بلده.
هذه ليست نتائج طبيعية للصراع مع إسرائيل فقط، بل نتائج مباشرة لتحويل لبنان إلى جبهة دائمة لحروب لا يقررها اللبنانيون.
من أكثر العبارات التي تتكرر في خطاب الحزب الحديث عن “نصرة المستضعفين”.
لكن من هم المستضعفون في لبنان اليوم؟
هل هم المواطنون الذين يقفون ساعات للحصول على الكهرباء؟
أم العائلات التي لم تعد قادرة على دفع أقساط المدارس؟
أم الشباب الذين يركبون قوارب الهجرة لأن البلد لم يعد يوفر لهم أي أمل؟
المفارقة القاسية هي أن اللبنانيين أنفسهم أصبحوا من أكبر ضحايا السياسات التي تُرفع باسم “المقاومة”.
الواقع الذي لم يعد خافياً هو أن لبنان تحول إلى جزء من صراع إقليمي تقوده إيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة.
في هذه المعادلة، لا يُنظر إلى لبنان كدولة مستقلة، بل كساحة.
ساحة رسائل.
ساحة ضغط.
وساحة حرب عند الحاجة.
أما الشعب اللبناني، فليس أكثر من وقود لهذا الصراع.
المشكلة التي يواجهها حزب الله اليوم ليست فقط عسكرية أو سياسية، بل مشكلة صدقية.
فالخطاب الذي كان يقنع جزءاً كبيراً من اللبنانيين قبل عشرين عاماً لم يعد يقنع أحداً اليوم.
الناس ترى الواقع.
ترى دولة منهارة.
وترى طبقة سياسية عاجزة.
وترى حزباً مسلحاً أقوى من الدولة نفسها.
هذه ليست وصفة للتحرير، بل وصفة لانهيار الدول.
أما الحقيقة البسيطة التي يرفض الحزب الاعتراف بها فهي أن لبنان لا يمكن أن يكون دولة طبيعية بوجود سلاح خارج الدولة.
لا يمكن بناء اقتصاد.
لا يمكن جذب استثمارات.
ولا يمكن بناء مؤسسات قوية.
كل ذلك مستحيل عندما يكون قرار الحرب والسلم بيد طرف واحد.
في النهاية لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب الحماسية عن تحرير العالم من الظلم.
لبنان يحتاج إلى أمر واحد بسيط: دولة.
دولة تملك قرارها.
دولة تحتكر السلاح.
ودولة تقرر وحدها متى تحارب ومتى تصنع السلام.
أما الاستمرار في تكرار الشعارات نفسها بينما البلد ينهار، فهو ليس مقاومة.
إنه إنكار للواقع.
والواقع اليوم واضح: لبنان لن ينهض طالما بقي أسيراً لمعادلة السلاح خارج الدولة والحروب المفتوحة باسم قضايا أكبر منه.
هذه ليست سياسة تحرير.
إنها ببساطة سياسة تدمير بطيء لدولة اسمها لبنان.

