جاء خطاب السيد مجتبى خامنئي، المرشد الجديد للنظام الإيراني، هزيلاً ومعززاً لكثير من الشكوك حول سلامته أو أهليته الجسدية وربما النفسية للقيادة. فغياب الصورة والصوت، وقراءة مذيع لخطابه، لا يبدد قلق الموالين للنظام الإيراني، ولا يوفر طاقة معنوية وروحية للمؤمنين بولاية الفقيه في أرجاء المعمورة، لغياب لغة الجسد ونبرات الصوت التي تعطي للكلمة روحاً، وللخطاب نبضاً، وللمتلقي ثقة ويقيناً وثباتاً.
خطاب بلا أفق سياسي
لم يتضمن خطاب السيد مجتبى جديداً. هو أقرب إلى بيان عسكري منه إلى خطاب قائد أمة أو زعيم شعب. بيان حربي عن سير المعركة القائمة وسياقاتها، وتهويلات عالية السقف وتهديدات غير محسوبة بالانتقام. هو خطاب دون انتظارات شعبه الذي يبحث عن أفق لحل، أو بصيص نور، أو شعاع أمل في آخر النفق المظلم، بل كان أقرب إلى خطاب جنرال أو قائد فيلق في الحرس الثوري الإيراني. خطاب متوقع لجهة خلفية مجتبى وعمق علاقاته بالحرس الثوري من جهة، ولجهة ذهنيته النبوئية التي تسقط على الأحداث الجارية تأويلات غيبية تتصل بعلامات آخر الزمان.
الحرس الثوري ممسك بقرار القيادة
بالمقابل، فإن وراء الخطاب دلالات عدة، لجهة انجلاء الصورة ورفع الالتباس في العديد من المسائل. أولها أن الذي يدير دفة القيادة والقرار في إيران هو الحرس الثوري. فمجتبى لم يُعيَّن وفق كفائته الفقهية، التي تظهرها عادة البحوث الأصولية (أصول الفقه) وجِدته الاجتهادية في استنباط الأحكام، إضافة إلى غياب الشهادات الموثوقة بقماشته العلمية. فهذه جميعها غير موجودة، ما عدا الشهادات التي يعممها رجال السلطة في الإعلام. ما يشي بأن ولاية الفقيه التي أسس لها السيد الخميني تحولت مع الزمن من منصب الفقيه الجامع للشرائط، الذي تقوم ولايته على أساس أهليته الفقهية وملكته الاجتهادية، إلى أن يصبح موقعاً سياسياً تحدده شبكة القوى المتنفذة داخل النظام، وفي مقدمها الحرس الثوري.
بالتالي، وبدلاً من أن يكون للاجتهاد الديني القول الفصل والحاسم في تقدير المسائل، باتت قوى الدولة العميقة التي يديرها الحرس الثوري هي المهيمنة على القول الفقهي والاعتبارات الشرعية. الأمر الذي يهدد بتسييس المؤسسة الدينية وربما عسكرتها، ليكون الموقف أو النظر الفقهي بمثابة غبّ الطلب لضرورات الحكم وحاجات السياسة.
غياب المؤسسة السياسية
ثاني دلالات الخطاب غياب كامل للمؤسسة السياسية في إيران، لا عن الأنظار فحسب، وإنما عن صناعة القرار وإدارة المعركة. تبين أن بنية النظام الإيراني بنية أمنية عسكرية، فيها تُبنى السياسة، وتوضع الاستراتيجيات، وتتحدد على ضوئها وجهة النظام وعلاقاته بمحيطه وبالعالم. الأمر الذي يقلص هامش العقلنة وحسابات المصلحة والمفسدة.
بل يغيب منطق الدولة الذي يعتني بقيادة أمة ومصالح شعب على أسس معقلنة ومؤسساتية، ليتقلص الرأي العام وتنكمش المشاركة المجتمعية إلى حد التلاشي، وينحصر الرهان على القدرة العسكرية أساساً في بقاء النظام وتدبير المجتمع والتحكم بقدراته وصنع سياساته.
لم يتضمن خطاب السيد مجتبى جديداً. هو أقرب إلى بيان عسكري منه إلى خطاب قائد أمة أو زعيم شعب. بيان حربي عن سير المعركة القائمة وسياقاتها، وتهويلات عالية السقف
حزب الله والمعركة دفاعاً عن النظام
الدلالة الأهم في كل هذا أن خطاب مجتبى خامنئي حسم أسباب دخول حزب الله المعركة الحالية، بأنه كان لغرض دعم النظام الإيراني والدفاع عنه والدخول بكامل زخمه العسكري في الحرب الدائرة. هو دخول جاء منافياً لادعاء الحزب بأنه كان رداً على الاعتداءات الإسرائيلية، أو فعلاً استباقياً لهجوم إسرائيلي مرتقب، بل كان تنفيذاً لأمر تنظيمي صدر من الحرس الثوري لفصائله المنتشرة في خارج حدوده.
ما يؤكد أن حزب الله، في آليات قراره وبنية تنظيمه، محكوم لمرجعية عسكرية وأمنية مركزها طهران، تكون فيه السياسة مجرد أداة لتأمين الغطاء القانوني اللازم لوجود الحزب، وتوفير الشرعية المطلوبة لنشاطاته داخل لبنان وخارجه.
خطاب مجتبى خامنئي حسم أسباب دخول حزب الله المعركة الحالية، بأنه كان لغرض دعم النظام الإيراني والدفاع عنه والدخول بكامل زخمه العسكري في الحرب الدائرة.
العقيدة التأسيسية للحزب
هذا يعيدنا إلى نصوص حزب الله التأسيسية التي أطل بها على العالم ليُعرِّف عن نفسه ومقاصده، وهي رسالة التفاهم الأولى، التي تبين أنها ما تزال تشكل صميم عقيدة الحزب، وتُعرِّف غايات وجوده وأسباب استمراره بأنها لحماية نظام ولاية الفقيه واتساع مدى نفوذه وهيمنته.
نظام لا يُنظر إليه مجرد حكم سياسي، بل كيان تكثفت الأقدار الغيبية والعناية الإلهية في تحققه للتعجيل بظهور الإمام الغائب، الذي يختتم التاريخ بحسب سردية الظهور قسطاً وعدلاً في العالم.
هذا يعني أن وظيفة سلاح حزب الله أبعد من أن تكون وظيفة مقاومة أو تحرير أرض ودفاع عن مقدسات أو حماية وطن. سلاح لا يستمد شرعيته من إجماع سياسي أو مسوغ دستوري وقانوني، لكون مهمته عابرة للأوطان ووراء المجتمعات والثقافات وفوق الزمن. مهمة إلهية أُنشئت، بحسب الخُلَّص فيه، لإنهاء التاريخ أو التمهيد لإنهائه.
برحيل خامنئي الأول طويت مرحلة، لتبدأ مع خامنئي الثاني، على فرض سلامته وصحة نسبة الخطاب إليه، مرحلة جديدة تتسم معالمها الكبرى بعسكرة شبه كاملة للدين والنظام معاً.

