في مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية والدستورية في لبنان، أقرّ مجلس النواب تمديد ولايته لسنتين إضافيتين بأكثرية 76 نائباً، مقابل معارضة 41 نائباً وامتناع أربعة عن التصويت. قرار التمديد جاء في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، حيث تتصاعد الحرب على الأرض، وتتراجع قدرة الدولة على فرض سلطتها، فيما يشعر اللبنانيون أن مؤسساتهم الدستورية تنأى بنفسها عن المساءلة الشعبية.
فالنواب الذين مُنحوا الثقة لتمثيل الناس لفترة محددة، قرروا البقاء على مقاعدهم من دون تفويض شعبي جديد، في خطوة أثارت انتقادات واسعة وفتحت الباب أمام تساؤلات حول شرعية القرار وجدواه في ظل انهيار الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
تمديد تحت القبة… واعتراض سياسي واسع
التمديد مرّ بأكثرية واضحة داخل البرلمان، لكنه لم يخلُ من اعتراضات سياسية بارزة. فقد عارضت القرار كتل الكتائب وتكتل الجمهورية القوية وكتلة لبنان القوي، معتبرة أن التمديد يكرّس نهجاً سياسياً يتجاوز الدستور ومبدأ تداول السلطة.
في المقابل، صوّتت مع التمديد كتل التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة واللقاء الديمقراطي والاعتدال الوطني إلى جانب عدد من النواب المستقلين، فيما امتنع أربعة نواب عن التصويت.
وعقب الجلسة، اعتبر نائب رئيس حزب القوات اللبنانية النائب جورج عدوان أن ما حصل يشكّل استمراراً لنهج سياسي خاطئ، مؤكداً أن الدستور ليس وجهة نظر، وأن تطبيق مفهوم الدولة كان كفيلاً بتجنيب لبنان هذه الحرب المؤلمة والتمديد معاً.
الدولة العاجزة والحرب المفتوحة
يأتي التمديد في وقت تعيش فيه الدولة اللبنانية واحدة من أكثر مراحلها ضعفاً، حيث تبدو عاجزة عن فرض قراراتها السيادية، وعلى رأسها قرار حظر الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله».
فبينما تطالب العواصم الدولية الدولة اللبنانية بتنفيذ قرار حصر السلاح، كشفت تطورات قضائية لافتة عن حجم التناقض بين القرارات السياسية والتطبيق العملي.
إذ أصدرت المحكمة العسكرية حكماً بإخلاء سبيل ثلاثة عناصر ينتمون إلى «حزب الله» بعد توقيفهم بحيازة ونقل أسلحة حربية، مقابل كفالة مالية لا تتجاوز مليوناً وتسعمئة ألف ليرة لكل منهم، في خطوة اعتبرها كثيرون دليلاً إضافياً على استمرار نفوذ الحزب داخل مفاصل الدولة.
وقد أفادت معلومات بأن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم سيطعن بالقرار، فيما أحال وزير العدل عادل نصار القاضي المدني المنتدب في المحكمة العسكرية عباس جحا إلى التحقيق على خلفية القضية.
تصعيد عسكري وغارات غير مسبوقة
على الأرض، تتواصل الحرب بوتيرة متصاعدة. فقد شنّ الطيران الإسرائيلي أكثر من 12 غارة على فروع جمعية «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد إنذار عاجل وجّهه الجيش الإسرائيلي إلى السكان لإخلاء المناطق المحيطة بالمراكز المستهدفة.
وترافقت الغارات مع استمرار القصف على القرى الجنوبية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير عشرات منصات إطلاق الصواريخ التابعة لـ«حزب الله»، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن استعداد القيادة الشمالية لإدخال الفرقة 162 للعمل داخل لبنان.
كما أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي استهداف خلية تابعة للحزب داخل قرية مسيحية في جنوب لبنان، في تطور يعكس اتساع رقعة العمليات العسكرية وتزايد المخاطر على المدنيين.
مأساة إنسانية تتفاقم
في موازاة التصعيد العسكري، تتفاقم الأزمة الإنسانية مع استمرار عمليات النزوح والدمار. فقد سقط مئات القتلى والجرحى جراء الغارات الإسرائيلية، فيما تجاوز عدد الضحايا 400 شخص بينهم نساء وأطفال ومسنون.
ومن بين الأحداث الصادمة، استشهاد كاهن رعية بلدة القليعة الحدودية بعد إصابته بقذيفة أثناء تفقده أبناء بلدته عقب إطلاق صواريخ من محيط البلدة باتجاه إسرائيل، ما استدعى رداً إسرائيلياً استهدف المنطقة.
هذا الحدث أعاد تسليط الضوء على هشاشة الواقع الأمني في القرى الحدودية، حيث يدفع المدنيون ثمن المواجهة العسكرية الدائرة.
تحركات دبلوماسية خجولة
دبلوماسياً، تبدو فرنسا في طليعة الدول التي تحاول احتواء التصعيد. فقد أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالاً برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طالب خلاله بالامتناع عن توسيع العمليات العسكرية في لبنان.
وخلال زيارة إلى قبرص، اعتبر ماكرون أن «حزب الله» عرّض لبنان للخطر عبر هجماته على إسرائيل، داعياً الحزب إلى وقف هجماته، كما طالب إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية.
وفي السياق نفسه، بدأت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس-بلاسخارت زيارة رسمية إلى إسرائيل، حيث ستبحث مع المسؤولين الإسرائيليين سبل إعادة الالتزام الكامل بقرار مجلس الأمن 1701.
الدولة بين التفاوض والانهيار
في الداخل، يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون تسويق موقف لبنان في لقاءاته مع السفراء والدبلوماسيين، مؤكداً التزام بيروت بوقف الأعمال العدائية واستعدادها لاستئناف المفاوضات حول النقاط الأمنية.
كما شدد على أن قرار حصر السلاح سينفذ وفق الخطة التي وضعتها قيادة الجيش عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك.
غير أن المشهد اللبناني يبدو أكثر تعقيداً من أن تعالجه البيانات الدبلوماسية أو القرارات السياسية، في ظل استمرار الحرب، وتراجع سلطة الدولة، وتزايد الانقسام الداخلي.
وهكذا يقف لبنان اليوم أمام مفارقة قاسية: برلمان يمدد لنفسه، دولة عاجزة عن فرض قراراتها، حرب تتوسع على أرضه، وشعب يدفع ثمن صراعات تتجاوز حدوده وإمكاناته.

