هل يمثّل الملالي الثقافة الإيرانية؟

منى فياض

عند السؤال: كيف ستردّ إيران على الضغوط والتهديدات الخارجية التي تتعرّض لها، وكيف ستكون ردة فعل الشعب الإيراني؟ هناك من يقفز ليخبرك أن إيران سترد بكذا وكذا، وأن الشعب الإيراني سيلتف حول نظام الولي الفقيه، اعتماداً على ما يسمّونه الثقافة أو الروح الإيرانية العميقة، مفترضين أن نظام ولاية الفقيه يعبّر عن هذه الثقافة وعن الشعوب الإيرانية بأسرها!

فهل حقاً أن النظام الديني الحاكم في إيران، كإسلام سياسي، يعبّر عن ثقافة الشعب الإيراني في عمقها وتنوّعها؟

ألا يمثّل هذا النظام انحرافاً عنها، أو توظيفاً انتقائياً ومؤدلجاً لهذه الحضارة لخدمة نظام ديني-سياسي مغلق، وهو بعيد كل البعد عن تمثيل الروح الإيرانية بتنوّعاتها؟

السؤال: كيف انفصلت جمهورية إيران الإسلامية عن “إيران كحضارة”؟

إيران حضارة متعددة الطبقات

إيران، المكوّنة من فسيفساء من شعوب وقوميات وإثنيات وأديان ومذاهب، ليست ذات “ثقافة واحدة”. إنها نتاج سيرورة حضارية معقّدة ومكوّنة من طبقات متراكبة، تشمل ما قدّمته الزرادشتية: فكرة النور والحق والحرية، والمسؤولية الفردية، وتقديس العقل والطهارة، ورمزية النار والنور بلغتها القديمة (الأفستية والفهلوية).

ثم هناك التأثير الإسلامي في الشعر الصوفي والعرفاني والفكر الأخلاقي والفلسفة (السهروردي والملا صدر الدين الشيرازي والرومي كنماذج)، وكلها أبرزت جمال اللغة الفارسية.

ثم جاء التشيّع التقليدي: كربلاء، الحسين، المظلومية، الانتظار، وفكرة الخلاص من الاستبداد، ودُفعت نحو عقيدة الولي الفقيه وتصدير الثورة.

يُضاف إلى كل ذلك تأثير القومية الحديثة: استعادة أمجاد ما قبل الإسلام، مع الفردوسي، والكرامة الإيرانية، والتحرّر من التدخل الخارجي.

ثم هناك الثقافة المدنية، القومية العلمانية جزئياً، المتصاحبة مع التمرّد الشبابي، والموسيقى والسينما والنقد الديني.

أي “روح إيرانية” يُقصد؟

فأيّ منها يُقصد حين يُشار إلى “الروح الإيرانية” التي سترد ولن تتنازل؟ أيّ روح يُقصدون؟

هل الزرادشتية العقلانية؟ أم الصوفية المتسامحة؟ أم الشيعية الغازية – المناضلة؟ أم القومية الاستعلائية؟ أم الإسلام الثوري؟ أم جيل “تيك توك” في طهران؟

ولاية الفقيه: من الفقه إلى السلطة المطلقة

يبرّر النظام الحالي الديكتاتوري سياسته في تصدير الثورة باستخدام الاصطلاح الفقهي لدى الشيعة المعروف بعقيدة “ولاية الفقيه”، مع أنه اصطلاح مرفوض أصلاً لدى الشريحة الأكبر من الشيعة في العالم باعتباره انحرافاً دينياً.

إن النزاع الطائفي بين الشيعة والسنة لم يتخذ شكلاً صارخاً إلا بعد انفصال الصفويين عن العثمانيين السنة، وأثناء التنافس بينهما على العراق، ثم بلغ ذروته على يد روح الله الخميني بعد الثورة الإسلامية. وهو لم يكتفِ بتأجيج الصراع السني–الشيعي، بل تسبّب بانقسام الشيعة أنفسهم. فبسبب تطبيقه لعقيدته بولاية الفقيه، التي تدعو إلى تسلّم رجال الدين مقاليد السلطة السياسية المطلقة، انقسم البيت الشيعي – لأول مرة – إلى حوزتين متناقضتين ومتنافستين: الحوزة العلمية الصامتة في النجف والحوزة الثورية المسيّسة والغازية في قم.

رجال الدين، حكّام طهران حالياً، هم الامتداد السياسي لفكرة ولاية الفقيه التي صاغها الخميني. وهذه العقيدة ليست نتاج تطوّر طبيعي للثقافة الإيرانية، بل انقلاب إيديولوجي حوّل الدين إلى دولة، وقام على مركزية مطلقة لرجل الدين بشخص المرشد الأعلى والفقيه. وهو يعادي المجتمع المدني باسم درء “الفتنة” و”المؤامرة”، ويستخدم التعبئة المستمرة ضد العدو: أميركا وإسرائيل، وفكرة تصدير الثورة التي تُضمر العداء للمحيط العربي. ناهيك عن العداء في الداخل: للنساء، والفلسفة، والفن، والأدب، والمثقفين عموماً.

هذه البنية لا تشبه أياً من مكوّنات الثقافة الإيرانية التقليدية؛ فهي لا تمثل الزرادشتية، ولا الصوفية، ولا الإيرانية، ولا حتى التشيّع كما عرفه الإيرانيون لقرون.

كيف طوّع الملالي الثقافة لخدمة نظامهم؟

استعاروا من التشيّع التقليدي مفردات المظلومية من كربلاء والحسين، وجعلوها إطاراً دائماً للدولة الموجودة، بحسبهم، في حالة تهديد دائم، وبهذا يُمنع أي نقد داخلي ويُعدّ خيانة.

أفرغوا شعر حافظ وغيره، واستخدموه. حاصروا الفلسفة ونبذوا فلاسفتهم الذين غادروا إيران، وهمّشوا العرفان المستقل، وحرّفوا دوره واستخدموه لتبرير ولاية الفقيه.

كما أنهم قمعوا الزرادشتية عملياً، رغم اعترافهم الرسمي بها، وألغوا البعد الإيراني من مناهج التعليم.

إذن، استخدم الملالي رموز الثقافة الإيرانية بعد تحريفها، لكنهم لا يمثلونها. إنهم سلطة دينية تفرض نموذجاً إيديولوجياً مغلقاً، وتُقصي أي تعبير ثقافي لا يخدم سلطتها.

أين هو الشعب الإيراني اليوم؟

يمثّل جيل الشباب نحو 70% من السكان، وهؤلاء لا يرون أنفسهم في خطاب الملالي ولا في سياساتهم. إنهم جيل متعلّم يبحث عن الحقوق، والحرية الفردية، والفن، والثقافة المنفتحة. وتناضل النساء الإيرانيات بلا خوف، ونموذجهن مهسا أميني. وهم ليسوا بالضرورة مع “الغرب”، لكنهم ليسوا مع الملالي بالتأكيد.

هناك انفصال عميق بين الشعب الإيراني والنظام، وأكبر تعبير عن ذلك الانتفاضات المتتالية منذ سنوات، والإيرانيون في الداخل والخارج من فلاسفة وكتّاب وشعراء وسينمائيين، الذين يكتبون وينتجون الأفلام منذ عقود تعبيراً عن هذا الانفصال العميق بين النظام والثقافة الإيرانية.

ونذكر منهم:

عبد الكريم سروش

داريوش شايغان

محمد مجتهد شبستري

عباس كيارستمي

محسن مخملباف

محمد رسول‌اف

فيروزة خسروفاني

مينا كيشافارز

شيرين نشأت

جيلا مساعد

ليلى فولادفند

سيمين بهبهاني

الملالي لا يمثّلون الثقافة الإيرانية بتنوّعاتها وعمقها، بل يقفون فوقها ويحاولون إخضاعها، ويستغلّون بعض رموزها بشكل انتقائي ومؤدلج.

لذلك، حين يُقال “إيران سترد” أو “هكذا تفكّر إيران”، علينا أن نسأل:

أيّ إيران؟

إيران الشعر والنور والحق، أم إيران الصواريخ والحرس الثوري؟

إيران زرادشت وحافظ، أم إيران الخميني وخامنئي؟

السابق
قرارٌ واحد يحمي العدالة التربوية في زمن القلق
التالي
السيد الخامنئي: آخر ولي فقيه يحكم إيران