إفطار الزكاة في بعلبك دعوة بطبقتين وطاولة واحدة!

ديما صلح
أن يُطلب هذا المبلغ من عامة الناس لحضور إفطار يُفترض أن يكون من روح الزكاة، بينما تُعفى بطاقات أصحاب الوجاهة من ذكر المبلغ… هل هو خطأ تنظيمي؟ أم إعادة تعريف للخير نفسه؟ خيرٌ يخفّف عن المحتاج، أم امتياز يجمّل حضور النافذين؟

الدعوة كانت واضحة في تفاصيلها، صاخبة في رمزيتها، وصادمة في معناها، إفطار الزكاة برعاية مفتي الجمهورية اللبنانية، مساء الجمعة ٢٧ شباط ٢٠٢٦، الموافق العاشر من رمضان ١٤٤٧، في قاعة هياكل – بعلبك.

النصّ بروتوكولي، أنيق، يوحي بالتكافل، لكن هناك ما يكشف بين السطور، ما تفضح النسخ المزدوجة من الدعوة، بطاقة تُحدّد كلفة الإفطار بأربعين دولارًا، وأخرى بلا كلفة، موجهة إلى شخصيات عامة وذوي النفوذ.

دعوة واحدة… بمعيارين،وقيمة واحدة… بمعنيين.

أربعون دولارًا ليست رقمًا عابرًا في بلد أنهكه الانهيار حتى صار ثمن الخبز أو الدواء سؤالًا يوميًا.

أن يُطلب هذا المبلغ من عامة الناس لحضور إفطار يُفترض أن يكون من روح الزكاة، بينما تُعفى بطاقات أصحاب الوجاهة من ذكر المبلغ… هل هو خطأ تنظيمي؟ أم إعادة تعريف للخير نفسه؟ خيرٌ يخفّف عن المحتاج، أم امتياز يجمّل حضور النافذين؟

الإصلاح يبدأ من بداهات واضحة،مساواة كاملة في الدعوات، شفافية في الكلفة والمصارف، وتوجيه مباشر للموارد إلى المحتاجين بلا وسيط احتفالي.

وإذا لم يأتِ الامتياز وحيدًا، فالأدب الاجتماعي يفرض موكبًا،الشخصيات العامة، بحكم مقامها، لا تحضر وحدها،كلٌ منهم يصطحب مرافقًا أو أكثر، يجلسون على نفس المائدة، ويأكلون من الأطباق نفسها… على نفقة الأربعين دولارًا التي دفعها العاديون.

هكذا تُستكمل المعادلة بلمسة من السخرية الواقعية،المواطن يمول المقعد، والمرافق يشغل الكرسي، والامتياز يتوسّع كما لو كان حقًا مكتسبًا.

زكاة تتكاثر فيها الضيافة بقدر ما يتقلص فيها العدل.

المفارقة لا تقف عند حد الكلفة أو عدد الجالسين، بل تمتد إلى الفلسفة التي حكمت الفكرة برمّتها،إذا كان الهدف جمع أموال للزكاة، فالأولوية الأخلاقية والعملية تقتضي توجيه كل دولار مباشرةً إلى المحتاجين، لا إلى قاعة، ومراسم، وضيافة.

الزكاة فريضة إعادة توزيع، لا فعالية علاقات عامة،حين تتقدّم المراسم على المصارف، يتحوّل العطاء إلى عرض عام، ويغدو الأثر تفصيلًا ثانويًا، وتصبح الصورة أهم من الجوع الذي كان ينبغي أن يُطفأ.

التمييز بين دعوتين ليس زلّة تقنية، بل خطاب مكتمل الأركان،هناك من يدفع ليدخل، وهناك من تُستثنى بطاقته على اساس انه عظيم الشأن و اعلى من الأرقام ليُكرّم، وهناك من يرافق ليأكل على حساب الأربعين دولارًا التي دفعها المواطن العادي.

الزكاة فريضة إعادة توزيع، لا فعالية علاقات عامة،حين تتقدّم المراسم على المصارف، يتحوّل العطاء إلى عرض عام، ويغدو الأثر تفصيلًا ثانويًا، وتصبح الصورة أهم من الجوع الذي كان ينبغي أن يُطفأ.

إنها هرمية مُغلّفة بلغة الخير، تعيد إنتاج الفوارق التي جاءت الزكاة أصلًا لتقليصها. فالعدالة هنا لا تُقاس بجودة التنظيم، بل بوحدة المعيار،وعندما ينكسر المعيار، تنكسر معه الثقة.

الأكثر إيلامًا أنّ هذه الصيغة تُحمّل الفقراء عبئا مضاعفًا،عبء الحاجة وعبء التمويل.

بدل أن تكون الزكاة شبكة أمان، تصبح رسم عبور إلى فضاء اجتماعي مغلق،وبدل أن تكون الدعوة دعوة تضامن، تصير اختبارًا للقدرة على الدفع،هكذا يفقد العطاء معناه، وتتحول القيم إلى ديكور.

ما جرى ليس حادثة عابرة، بل نموذج مصغّر لكيفية تشويه فكرة الخير حين تختلط بالقشور الاجتماعية والاستعراض.

الإصلاح يبدأ من بداهات واضحة،مساواة كاملة في الدعوات، شفافية في الكلفة والمصارف، وتوجيه مباشر للموارد إلى المحتاجين بلا وسيط احتفالي.

دون ذلك، تبقى المائدة عامرة… والعدالة جائعة.

حين يدفع الفقير ثمن الزكاة ويأكل الامتياز مع مرافقيه دون توضيح ، لا يعود الخلل في التفاصيل، بل في البوصلة… والكرامة، عندها، ليست ضيفًا على الطاولة، بل الغائب الأكبر عنها.

السابق
سلام يرفع «الغطاء» عن متلاعبِي الأسعار ويحرك ملف «برنامج الإنماء» جنوباً
التالي
اليونيفيل تُنهي تطهير 5 حقول ألغام في الجنوب: تدمير 2173 لغماً وتسليم الأرض للجيش اللبناني