كشفت التحقيقات الأمنية والقضائية المسربة عن الموقوف “أ.م”، ابن بلدة أنصار الجنوبية، عن واحد من أخطر ملفات العمالة لصالح إسرائيل في السنوات الأخيرة.
وأظهرت المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «الشرق الأوسط» من مصادر أمنية وقضائية، أن الموقوف لم يكن مجرد مخبر عادي، بل كان “عميلاً مبادراً” تجاوزت مهامه جمع المعلومات الروتينية لتصل إلى تقديم إحداثيات دقيقة لمواقع عسكرية ومصانع مسيرات تابعة لـ”الحزب”، وصولاً إلى معاينة الأهداف بعد قصفها للتأكد من تدميرها.
التجنيد في أوروبا: إغراء “الماجستير” وفخ “كولن”
وحسب “الشرق الأوسط” تبين أن المشغل الإسرائيلي استهدف “أ.م” بعناية فائقة؛ فالموقوف حائز على درجة الماجستير من جامعة تورينو في إيطاليا، وهو ما جعله “صيداً ثميناً”.
بدأت رحلة العمالة في عام 2020 بدولة أوروبية، حيث جنده ضابط في “الموساد” استخدم اسماً مستعاراً هو “رامي مراد”، قبل أن ينتقل ملفه إلى مشغل آخر يدعى “مايكل ليفا”.
وبحسب المصادر، خضع الموقوف لاختبارات كشف كذب متكررة في مدن ألمانية، منها مدينة “كولن” عام 2021، حيث بدأ بتزويد مشغليه بأرقام هواتف عناصر وكوادر في “الحزب”، وتحديد أنواع الآليات الثقيلة والجرافات التي تستخدم في الأعمال الهندسية جنوباً، مع ذكر أسماء أصحابها وتفاصيل دقيقة عنهم.
الرحلة إلى إسرائيل: تدريبات وخرائط ثلاثية الأبعاد
وكشفت التحقيقات عن تطور دراماتيكي في علاقة الموقوف بمشغليه، حيث انتقل في أواخر عام 2022 برفقة مشغله “مايكل” من ألمانيا إلى داخل إسرائيل.
وهناك، أُخضع لدورات تدريبية مكثفة تحت إشراف مدربين مختصين، واستُخدمت معه شاشات تعرض خرائط ثلاثية الأبعاد لمواقع في جنوب لبنان، حيث طُلب منه تحديد إحداثيات دقيقة لمراكز ومعامل ومستشفيات ممولة من “الحزب” أو تابعة له.
المهام الميدانية: من رصد النازحين إلى اغتيال الكوادر
تجاوز دور “أ.م” رصد المواقع الثابتة ليشمل الجوانب العملانية والاجتماعية خلال الحرب؛ فقد أعد تقارير مفصلة حول:
- تحركات عناصر “الحزب” ومصادر تمويله.
- أماكن وجود كاميرات المراقبة في بلدة أنصار وتحركات السكان ليلاً.
- أوضاع النازحين وطريقة تعامل “الحزب” معهم، بما في ذلك تفاصيل الإيجارات واشتراكات الكهرباء والمساعدات الموزعة.
- توفير تفاصيل دقيقة عن كوادر تم اغتيالهم لاحقاً بواسطة غارات إسرائيلية بناءً على معلوماته.
ما بعد وقف إطلاق النار: معاينة 30 هدفاً مدمراً
ولم يتوقف نشاط العميل بصدور قرار وقف إطلاق النار، بل استمر في مهامه بـ “مبادرة ذاتية”. وأكدت المصادر لـ «الشرق الأوسط» أن الموقوف عاين نحو 30 هدفاً تعرضت للقصف، شملت منشآت عسكرية، ومخازن تموينية، ومستودعات صواريخ وأسلحة، وأجهزة إلكترونية، ومصانع للطائرات المسيرة في مناطق صور والنبطية والبقاع الغربي، وزود مشغليه بصور ومقاطع فيديو توثق حجم الدمار.
كما كان له دور حاسم في تدمير معارض للجرافات والآليات الثقيلة في بلدات المصيلح والداوودية وأنصار، بعدما قدم تقارير مفصلة عن التجار الذين يستوردون هذه المعدات وقطع غيارها، تحت ذريعة استخدامها في البنية التحتية العسكرية.
المسار القضائي: 41 موقوفاً تحت المجهر
بتوقيف “أ.م”، يرتفع عدد العملاء الذين ألقي القبض عليهم منذ تصعيد الحرب في سبتمبر 2024 إلى 41 شخصاً. وأكد مصدر قضائي أن المحكمة العسكرية تولي أهمية قصوى لهذه الملفات، مشدداً على أن التحقيقات مع “أ.م” كشفت عن أسلوب “الموساد” في استغلال الكفاءات العلمية اللبنانية المقيمة في الخارج لتحويلهم إلى أدوات استخباراتية خطيرة تتحرك بحرية على الأراضي اللبنانية.

