«جمال سليمان» في بيروت: حديث الذاكرة والدراما والوجع السوري

جمال سليمان

بعد أربع سنوات من الصداقة الافتراضيّة، التقيتُ اخيرا بالنجم العربي السوري جمال سليمان في مقهى Roy’s في بدارو. جمال سليمان هو ذلك الأستاذ الذي تتمنّى أن يكون صديقك، وحين تتحقّق الأمنية تكتشف أنّه الشخص نفسه الذي عرفته عبر واتساب وفايسبوك: إنسان متواضع ينسى أنّه «نجم عربي» تنقّل بين سوريا ولبنان ومصر والعراق، وذاع صيته في الخليج العربي.

تبحث في ملامحه عن «عادل» في مسلسل الفصول الأربعة، وتتوقّع أن ترى حدّة «مطر» في مسلسل ذكريات الزمن القادم، أو رومنطيقيّة «ياسين» في مسلسل قصّة حب.

لم أستطع كتابة هذه المدوّنة لـ«جنوبيّة» دون الاستعانة بذاكرة أعماله، فالكتابة عن جلسة ثمينة استمرّت ساعتين مع أستاذ وصديق تشبه جراحة حسّاسة: إمّا أن يموت النص أو يحيا، أو يبقى في البرزخ منتظرًا ولادة جديدة.

«الخروج إلى البئر»: عمل جديد ينبش عمق المأساة السوريّة

بعد عناق حار، بدأ جمال سليمان حديثه بعفويّة مستفيدًا من تواضعه وطلاقته في الحديث وديناميّة عكستا ارتياحه في الجلسة، بخلاف حضوره الهادئ والمقتصد بالكلام على وسائل التواصل.

انطلقنا من الحاضر، من مسلسل «الخروج إلى البئر» (إنتاج ميتافورا – رمضان 2026)، حيث بقي 12 يومًا فقط على انتهاء التصوير. كان الفريق قد أنهى مشاهده في طرابلس، ويستعدّ للتصوير في بيروت.

يؤدّي سليمان دور «أبو فراس»، وتبدو عليه علامات الحماسة والرضا. وصف المشقّة التي رافقت التصوير بلذّة واضحة، مؤكدًا أنّ العمل يحمل مفاجآت كثيرة وتحولات دراميّة عميقة في الشخصيّات، ويتوغّل في عمق الأزمة السوريّة، حيث يتساوى الاستبداد، مهما اختلفت وجوهه، في القمع والفساد.

بيروت ودمشق: مقارنة موجعة

تحدّث سليمان عن بيروت بأسى، وسأل في مستهل اللقاء: «أين بيروت التي أعرفها يا نبيل؟». لكنه أضاف أنّ الوضع في دمشق أكثر قسوة ودراماتيكيّة، رغم العودة التدريجيّة للحياة بعد سقوط نظام تسبّب بحرب مدمّرة استمرّت 15 عامًا.

يرى سليمان أنّ «الخروج إلى البئر» من الأعمال القليلة التي تناولت الوجع السوري بجدّيّة، وفي معرض حديثه عن واقع الدراما العربيّة التي يطغى عليها الطابع الاستهلاكي، قال بثقة:

«المهم هو النص الذي يعيش إلى الأبد».

ذاكرة الأعمال الخالدة: «الفصول الأربعة» و«ذكريات الزمن القادم»

استعدنا خلال الجلسة أبرز محطّاته الفنيّة.

تحدّث عن مسلسل «الفصول الأربعة»، العمل الذي شكّل علامة فارقة في الذاكرة العربيّة، بعد ان ساهم في جمع الكاتبتين دلع الرحبي وريم حنّا وبناء شراكة إبداعيّة بينهما.

ثم عدنا إلى شخصيّة «مطر» في «ذكريات الزمن القادم»، اليساري الذي تحوّل إلى رأسمالي. كان سليمان يستعيد تفاصيل الشخصية وكأنّ العمل يُعرض اليوم. ذاكرته تمنح الأمومة لشخصيّاته: «مطر»، «عادل»، «ياسين»، و«أبو صالح»، تمامًا كما تفعل الروائيّة مع أعمالها.

التجربة المصريّة وقراءة مبكّرة للتطرّف

انتقل الحديث إلى مصر ومسلسل «قصّة حب»، الذي ساهم سليمان في إلهام ولادة نصّه مع شركة «العدل غروب». العمل، الذي أُنتج قبل الربيع العربي، تطرّق مبكرًا إلى مسألة التطرّف الإخواني وتأثيره على المجتمع.

كما استحضرنا مسلسل «التغريبة الفلسطينيّة»، نصّ الدكتور وليد سيف وإخراج حاتم علي. ونقل سليمان قول أحد كبار المثقّفين السوريين له إنّ أزمة العرب تكمن في طريقة سرد القضيّة الفلسطينيّة للأجيال المقبلة، مؤكّدًا أنّ «التغريبة الفلسطينيّة» نجحت في أداء هذه المهمّة.

المسرح وشخصيّة ابن زيدون: عشق لا ينتهي

لم ينسَ سليمان خلال اللقاء الحديث عن أعماله المسرحيّة، وخصوصًا تعاونه مع الأخوين الرحباني، وتجربته في تجسيد شخصيّة ابن زيدون التي أسرته.

كانت الجلسة رحلة في الذاكرة الفنيّة والسياسيّة والثقافيّة.

النجم جمال سليمان، بحديثه العفوي وتواضعه وابتسامته، ترك الباب مفتوحًا للقاءات أخرى، ووعد «جنوبيّة» بلقاء إعلامي بعد عرض «الخروج إلى البئر».

إنّه إنسان يعرف كيف يتركك معلّقًا بحبّ الذاكرة، منتظرًا شمس الأمل لتشرق من جديد عبر أعمال تحمل وعدًا فنّيًا جديدًا.

السابق
 لاريجاني أحبط محاولة لابعاد خامنئي قبل الاحتجاجات الاخيرة في ايران
التالي
السفارة الأميركية في لبنان تجلي العشرات من موظفيها من بيروت