لم تعد الدعوات الإسرائيلية للاستيطان في جنوب لبنان مجرد “ضجيج إعلامي” أو تحركات لمجموعات متطرفة، بل باتت تُقرأ في بيروت بوصفها استعادة لخرائط قديمة وأطماع تاريخية تتجاوز البعد الأمني المباشر لتطال السيادة والجغرافيا والموارد المائية. ومع تصاعد التوتر الحدودي، عاد النقاش حول منطقة جنوب نهر الليطاني ليتصدر الواجهة، وسط مخاوف من محاولات إسرائيلية لفرض “أمر واقع” جديد تحت غطاء التصعيد العسكري القائم.
الليطاني: الحلم المائي القديم المتجدد
كشف مصدر نيابي لبناني لـ “الأنباء” أن نهر الليطاني يمثل “العمود الفقري” في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي منذ ما قبل العام 1948.
وأوضح المصدر أن التفكير الصهيوني التاريخي كان يطمح دائماً لوضع النهر ضمن نطاق نفوذه لتحقيق مكاسب مائية حيوية، معتبراً أن أي حديث حالي عن الاستيطان جنوب النهر هو محاولة “مُحدثة” لربط أمن المستوطنات الشمالية بالسيطرة المباشرة على الموارد المائية اللبنانية.
تصحيح “سايكس بيكو”: سردية التوسع الجغرافي
وتتجاوز المخاوف اللبنانية الجانب الأمني لتصل إلى أبعاد أيديولوجية خطيرة؛ حيث تروج حركات إسرائيلية لسردية “تصحيح الحدود” التي رسمتها اتفاقية “سايكس بيكو”، بزعم أنها كانت “غير عادلة”.
ويشير المصدر النيابي إلى أن هذا الطرح يسعى لإعادة تعريف “الجليل الشمالي” ليشمل الأراضي اللبنانية، مما يعكس رغبة في قضم الجغرافيا وتغيير معالم الحدود الدولية المعترف بها.
استعادة نموذج “الحزام الأمني”
ويرى الجانب اللبناني أن إسرائيل تحاول استنساخ تجربة “الشريط الحدودي” (1978-2000) ولكن بصيغة أكثر ديمومة هذه المرة، عبر إحلال الوجود السكاني (الاستيطان) كأداة لتكريس السيطرة العسكرية. فالنظرية الأمنية الإسرائيلية لا تزال تربط بين “الاستيطان والسيادة”، وهو ما يفسر القلق من تحول النوايا الإعلامية إلى خطط ميدانية ملموسة.
تلازم البر والبحر: الغاز والزراعة
لا تقف الأطماع عند حدود الأراضي الزراعية الخصبة في الجنوب اللبناني فحسب، بل تمتد لتشمل معادلة الطاقة في شرق المتوسط. وأكد المصدر أن أي تغيير في الوقائع البرية جنوب الليطاني يهدف مستقبلاً للتأثير على موازين القوى في البحر، وتحديداً في ملفات ترسيم الحدود البحرية وثروات الغاز والنفط، مما يجعل المعركة على “البر” مقدمة للسيطرة على “البحر”.
الشرعية الدولية واليقظة اللبنانية
وشدد المصدر على أن لبنان يتمسك بالقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701، باعتباره الحصن القانوني الذي يحمي الحدود السيادية. واعتبر أن محاولات فرض بؤر استيطانية تمثل خرقاً صارخاً للأمم المتحدة وتهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، خاتماً بالقول: “ما يجري يؤكد أن تياراً قوياً في إسرائيل لا يزال يرى حدود 1948 مجرد محطة، مما يفرض على الدولة اللبنانية أعلى درجات اليقظة الدبلوماسية والسياسية لمنع الانزلاق نحو سيناريوهات التهجير أو القضم”.

