لبنان على إيقاع ترنّح المفاوضات: هل يدخل سلاح «حزب الله» مرحلة الحسم؟

ايران واميركا

ما يعني حاليًا لبنان عمومًا وشيعته خصوصًا، مآل المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. وكانت أمس آخر جولاتها في جنيف حيث انتهت إلى غموض أكثر من وضوح. وتفيد المعطيات أن “حزب الله” الذي يمثل سلاحه أحد عناصر هذه المفاوضات، لم يحظَ إعلاميًا باهتمام كافٍ، ما يشير إلى أن هناك أمرًا ما يتعلق بهذا البند من المفاوضات لا بد من متابعته، حتى ولو بدا أنه غائب حاليًا عن العناوين الكبرى لمفاوضات واشنطن وطهران.

في التفاصيل، يُستفاد من الصورة الكبيرة للمفاوضات الأميركية – الإيرانية أن التهديدات باحتمال نشوب حرب طغت على ترجيح احتمال الوصول إلى حل دبلوماسي يُبعد شبح الحرب. وتفيد منصة أكسيوس الأميركية الإخبارية اليوم، نقلًا عن مصادر في واشنطن، أنه من المرجح أن تكون هناك عملية عسكرية أميركية في إيران في إطار حملة ضخمة تستمر لأسابيع، وتبدو أشبه بحرب شاملة أكثر من عملية الشهر الماضي في فنزويلا.

وأشارت المصادر إلى أنها ستكون حملة مشتركة أميركية – إسرائيلية أوسع بكثير، وأكثر وجودية للنظام الإيراني، من الحرب التي استمرت 12 يومًا بقيادة إسرائيل في حزيران الماضي، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة في النهاية لتدمير المنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض. ومثل هذه الحرب سيكون لها تأثير كبير على المنطقة بأكملها، وتداعيات كبيرة على السنوات الثلاث المتبقية من رئاسة دونالد ترامب.

ولفتت أكسيوس إلى أن الأسطول الأميركي الذي سيخوض الحرب يشمل حاليًا حاملتَي طائرات، واثنتي عشرة سفينة حربية، ومئات الطائرات المقاتلة، وأنظمة دفاع جوي متعددة. ولا تزال بعض تلك القوة النارية في الطريق. وهناك أكثر من 150 رحلة شحن عسكرية أميركية نقلت أنظمة الأسلحة والذخيرة إلى الشرق الأوسط. وقد توجهت خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط 50 طائرة مقاتلة أخرى -F-35 وF-22 وF-16- إلى المنطقة.

وتوقعت أكسيوس أن تأتي الحرب في وقت أبكر بكثير مما تعترف به معظم المصادر. ويصعب، في ظل التصعيد العسكري والخطابي لترامب، أن يتراجع الأخير دون تنازلات كبيرة من إيران بشأن برنامجها النووي.

إسرائيل تدفع نحو الأقصى… وإيران ترد بالنار

من ناحيتها، تدفع الحكومة الإسرائيلية نحو سيناريو أقصى يستهدف تغيير النظام، بالإضافة إلى برامج إيران النووية والصاروخية، وتستعد لسيناريو حرب خلال أيام، وفقًا لمسؤولين إسرائيليين. وبينما قال السيناتور ليندسي غراهام الذي زار إسرائيل إن الضربات قد لا تزال على بعد أسابيع، فإن آخرين يقولون إن الجدول الزمني قد يكون أقصر. وقال أحد مستشاري ترامب: “المدير بدأ يملّ من اللعبة. بعض الأشخاص من حوله يحذرونه من خوض الحرب مع إيران، لكنني أعتقد أن هناك فرصة بنسبة 90٪ أن نشهد حركة في الأسابيع القادمة”.

وأتى رجحان احتمال الحرب على احتمال التسوية بسبب غياب أي دليل حتى الآن على وجود اختراق دبلوماسي مع إيران في الأفق.

توقعت أكسيوس أن تأتي الحرب في وقت أبكر بكثير مما تعترف به معظم المصادر. ويصعب، في ظل التصعيد العسكري والخطابي لترامب، أن يتراجع الأخير دون تنازلات كبيرة من إيران

في المقلب الآخر، لم ينتظر المرشد الإيراني علي خامنئي انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات في جنيف، فأعلن أمس: “إن أقوى جيش في العالم قد يتعرض أحيانًا لضربة قاصمة لا يستطيع النهوض بعدها. يستمرون في القول إننا أرسلنا سفينة نحو إيران. حسنًا، بالطبع، السفينة أداة خطيرة، لكن أخطر من السفينة هو السلاح القادر على إغراق هذه السفينة في قاع البحر”.

وقال: “إن المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العديدة التي تعاني منها أميركا تُعدّ مؤشرات على مسار أفول وانقراض الإمبراطورية الأميركية”، مضيفًا: “إن المشكلة الأساسية لأميركا معنا هي أنها تريد ابتلاع إيران، لكن الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية يقفان سدًا أمام تحقيق هذا الهدف”.

وشدد على “أن امتلاك الشعب للسلاح الرادع أمر ضروري وواجب”، قائلًا: إن أي دولة لا تمتلك تسليحًا ردعيًا تُسحق تحت أقدام الأعداء، لكن الأميركيين يتدخلون في هذا الملف ويقولون إن عليكم ألا تمتلكوا هذا النوع من السلاح أو ذلك المدى الصاروخي، في حين أن هذا شأن يخص الشعب الإيراني ولا علاقة لهم به.

كما اعتبر تدخل الولايات المتحدة في “حق إيران في امتلاك صناعة نووية سلمية مثالًا آخر على لا منطقية الأميركيين”، مؤكدًا “أن حق امتلاك المنشآت النووية والتخصيب منصوص عليه ومعترف به لجميع الدول في الاتفاقيات واللوائح الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن تدخل الأميركيين في الحقوق الوطنية يعكس اضطراب تفكير مسؤوليهم الحاليين والسابقين”.

نقلت وكالة رويترز أن الحزب رفض قرار الحكومة بمنح الجيش أربعة أشهر على الأقل للمضي قدمًا في المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح على مستوى البلاد

«حزب الله» بين قرار الحكومة وانتظار المصير الإيراني

يُستفاد من قراءة مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية أنها ظاهريًا تمضي على خطين متوازيين لن يلتقيا. وقد دخل على المسار تصلب “حزب الله” في وجه ما انتهت إليه جلسة مجلس الوزراء أمس بشأن المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني.

ونقلت وكالة رويترز أن الحزب رفض قرار الحكومة بمنح الجيش أربعة أشهر على الأقل للمضي قدمًا في المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح على مستوى البلاد، قائلًا إنه لن يقبل ما يعتبره خطوة تخدم إسرائيل. وكان الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم أعلن قبل يومين أن “ما تقوم به الحكومة اللبنانية بالتركيز على نزع السلاح هو خطيئة كبرى لأن هذا الموضوع يحقق أهداف العدوان الإسرائيلي”.

في أي حال، قال وزير الإعلام بول مرقص خلال مؤتمر صحفي عقده في وقت متأخر الاثنين الماضي بعد جلسة لمجلس الوزراء إن الحكومة “أخذت علمًا بعرض قيادة الجيش للتقرير الشهري حول خطة حصر السلاح في المناطق اللبنانية كافة، إنفاذًا لقرار مجلس الوزراء المتعلق بنزع سلاح “حزب الله” في شمال نهر الليطاني إلى نهر الأولي في صيدا”، وأعطته مهلة أربعة أشهر. وأضاف: “إذا توافرت العوامل المساعدة ذاتها، فإن الفترة الزمنية المطلوبة هي أربعة أشهر قابلة للتمديد تبعًا للإمكانات المتاحة والاعتداءات الإسرائيلية والعوائق الميدانية”.

مرّت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة من دون أي اعتراض من وزراء ثنائي “أمل” و”حزب الله” على قرار المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح نطاقًا وتوقيتًا

وقال لاحقًا النائب عن “حزب الله” حسن فضل الله: “لا يمكن أن نتهاون”، في إشارة إلى رفض الحزب للجدول الزمني والنهج الأوسع نطاقًا تجاه مسألة أسلحته.

فهل دخل قرار إنهاء السلاح طور التنفيذ؟

أين لبنان من هذا الاشتباك الأميركي – الإيراني في المرحلة المقبلة؟

كان واضحًا أن هناك تجاهلًا من الجانبين الأميركي والإيراني للبند الثالث من المطالب الأميركية التي تضم، إلى النووي والصواريخ الباليستية، سلاح الميليشيات الموالية لإيران وفي مقدمها “حزب الله”. وتتيح مراجعة التقارير والمواقف الأميركية والإيرانية على مدى يومين أنها خلت من أية إشارة إلى سلاح هذه الميليشيات.

أما في لبنان، فقد مرّت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة من دون أي اعتراض من وزراء ثنائي “أمل” و”حزب الله” على قرار المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح نطاقًا وتوقيتًا.

في ضوء كل ما سبق، يتبيّن أن الجانب الأسهل في أزمة إيران بات ملف ميليشياتها. فهل يعني ذلك أن قرار إنهاء سلاح “حزب الله” دخل طور التنفيذ على مدى الأشهر المقبلة، التي هي فترة سيكون خلالها متاحًا معرفة مصير المواجهة الأميركية – الإيرانية، وتاليًا مصير النظام الإيراني نفسه؟

السابق
الجيش الإسرائيلي أعدّ خطة ضد حزب الله إذا تدخّل في الحرب على إيران
التالي
أسرار الصحف الصادرة في بيروت اليوم الخميس 19-02-2026