ليس مفهومًا (بالنسبة لي على الأقل) كيف وقع بعض الزملاء المخضرمين في فخ التفسير الخاطئ لموقف الرئيس سعد الحريري، وراحوا يتسابقون عبر وسائل إعلامهم العريقة على القول إن رئيس “تيار المستقبل” تراجع عن قرار تعليق العمل السياسي وقرّر خوض الانتخابات النيابية المقبلة. وكبر هذا التفسير مثل كرة الثلج حتى ظن من سمع الخطاب أن هذه الفقرة قد فاته، أو أنه لم يفهم جيدًا موقف الحريري.
إلا أن الحقيقة في مكان آخر، لأنه لو كان هذا التفسير صحيحًا لكان من السهولة بمكان على الرئيس الحريري قول جملة واحدة واضحة وصريحة: قررت التراجع عن قرار تعليق العمل السياسي لتيار المستقبل وخوض الانتخابات النيابية على كامل الأراضي اللبنانية في أي موعد جرت.
إقرأ أيضا: سعد الحريري في 14 شباط: هل كسر «اعتكاف الضرورة» هيبة الفراغ؟.. لماذا يرتعد الخصوم من «لحظة العودة»؟
لكن الحريري لم يقل ذلك، بل قرر البقاء في المنطقة الرمادية، في انتظار الوقت المناسب لأن “كل شي بوقتو خلو” على ما كان يردّد. فقد أعلن رئيس “تيار المستقبل” في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس رفيق الحريري انه “منذ سنة، في الذكرى العشرين، قلت لكم أن تيار رفيق الحريري، تيار المستقبل، سيكون صوتكم في الاستحقاقات الوطنية. وأهم هذه الاستحقاقات، وأولها الانتخابات النيابية. الآن كل البلد لديه سؤالان: هل ستجري الانتخابات؟ وماذا سيفعل المستقبل؟ وانا لدي جواب واحد: قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل، لكني أعدكم، متى حصلت الانتخابات، أعدكم: سيسمعون أصواتنا، وسيعدون أصواتنا، وبانتخابات وبلا انتخابات، أنا وإياكم “عالحلوة وعالمرة”، لا شيء يفرقنا، وبفضلكم، وبفضل وحدتنا لا شيء يستطيع أن يكسرنا”.
كلام الحريري حمّال أوجه، لأنه فسّر الماء بعد جهد بالماء، وأبقى بيئته في حال تيه سياسي. فقد حمل كلام الحريري في طياته تفسيرات عدة هدفها الوحيد تعبئة جمهور “المستقبل” لاحتمال عودته الى الحياة السياسية في حال حصوله على الضوء الأخضر المطلوب، والذي يبدو أنه لم يحصل عليه الى الآن.
الرئيس الحريري يعلم يقينًا أنه غير قادر الى الآن على اتخاذ قرار العودة الى الساحة السياسية، بدليل قوله: “الحريرية كانت دائما وستبقى داعمة لكل تقارب عربي، وطارد لكل خلاف عربي، ومن يخيط بمسلة الخلافات الخليجية والعربية، “رح تطلع سلتو فاضية”، وسيحرق يديه ورصيده”.
هذه الإشارة تشكل لفتة واضحة الى الخلاف الصامت ولكن المتصاعد بين المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة. والرئيس الحريري الذي لم يحل خلافه بعد مع الرياض كما يقول العارفون، لا يمكنه العودة الى بيروت بدعم من أبو ظبي حيث يتواجد منذ سنوات، لأن مثل هذه الخطوة سيفسّرها البعض على أنها تدخل في الخلافات وبالتالي فانه “سيحرق يديه ورصيده” كما قال.
لهذه الأسباب يبدو أن الوقت لم يحن بعد لعودة الحريري الى بيروت، وان الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس رفيق الحريري لم تكن سوى مناسبة لإثبات الوجود، ولو بالحد الأدنى، وشدّ عصب مناصري المستقبل، في انتظار رياح صحراوية مؤاتية قد تعيد يومًا الأمور الى نصابها.

