هل يستعيد سعد الحريري السُنة من براثن «أبو عمر»؟

ياسين شبلي

كعادته في كل عام، وفي ذكرى اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يعود الرئيس سعد الحريري ليكون حديث البلد والناس، سواء المحبين منهم من المؤيدين، أم المبغضين من المنافسين – وما أكثرهم هذه الأيام – وهو ما يُسجَّل له كحضور، أقله شخصي، يعكس دوره المهم ومكانته على المستوى الشعبي والسياسي والوطني العام.

هذا الحضور الذي لم يستطع أحد أن يلغيه أو يحل محله بالرغم من غيابه عن الساحة منذ أربعة أعوام، وبالرغم من كل المحاولات التي يصل بعضها حد “التآمر” لتغييبه عبر “الاغتيال السياسي” والإعلامي، سواء من بعض الداخل أو من بعض الخارج الذي يرى في اعتداله عقبة تحول دون تطبيق سياساته ومخططاته المتطرفة التي يصوغها طبقًا لمصالحه في صراعه مع الأطراف المتطرفة الأخرى في الإقليم.

وذلك عبر محاولة السيطرة على قرار الطائفة السنية في لبنان، بما هي طائفة كبيرة ومؤسِّسة، وتمثّل امتدادًا طبيعيًا للفكر العروبي والإسلامي في لبنان، من دون الأخذ بالاعتبار مزاج الأكثرية في الشارع السني والوطني اللبناني وتطلعاته، في ظل التطورات المتلاحقة في المنطقة منذ عملية “طوفان الأقصى”، التي أدّت، فيما أدّت إليه، إلى سقوط نظام بشار الأسد “العلوي”، وحلول آخر “سني” مكانه بحسب تصنيف هذا البعض في الداخل والخارج ونظرته للمنطقة ومكوناتها.

وهو التصنيف الذي يخالف كل منظور وطني معتدل لا طائفي ولا مذهبي في البلاد العربية، والذي بالمناسبة يلتقي – من حيث يدري أو لا يدري – مع التصنيف الإسرائيلي ومخططاته للمنطقة، وما تطورات السنة المنصرمة في سوريا ومواقف الأطراف الإقليمية منها، سواء في الساحل أو الجبل، إلا دليل على ما نقول.

تسريبات «الحدث» وتوقيت الريبة

من هذا المنطلق تأتي التسريبات الأخيرة التي نشرتها قناة “الحدث” السعودية في توقيت أقل ما يقال فيه إنه “غير بريء”. جاءت وكأنها لتوحي باستمرار “الحُرم” السياسي الخارجي على سعد الحريري وخياراته، بغض النظر عن صحة هذا الإيحاء من عدمه، كما عن صحة التسريبات من عدمها أصلًا.

والتي يبدو أن لائحة المستفيدين منها طويلة، خاصة على الساحة السُنية، تبدأ بـ “مسار بهاء الحريري”، ولا تنتهي بأيتام “ورشة أبو عمر للحدادة والبويا”، من شخصيات كانت تدور في فلك الحريري وأخرى جديدة لديها طموحات، مرورًا بـ “بخاخي السم” المعروفين من الأطراف السياسية الأخرى، الحالمين بدور أكبر عبر استقطاب بعض الشخصيات السُنية ومحاولة تكبيرها والنفخ فيها.

الأمر الذي يؤشر ربما – لدى هذه الجهات – بأن هناك قرارًا قد اتُّخذ من قِبل سعد الحريري “بعودة ما” لتيار المستقبل إلى الساحة السياسية، ما دفع بها للقيام بهجوم وقائي عبر هذه التسريبات، لمحاولة إيصال رسالة بأن “الحريرية السياسية” ليست شأنًا حريريًا خالصًا.

بدليل أن الهجوم جاء عشية الاحتفال بذكرى الرئيس الشهيد وجولة أمين عام المستقبل أحمد الحريري على المناطق، ما يدعو للتساؤل عن سر هذا التوقيت بالذات، وعما إذا كان مضمون هذه التسريبات صحيحًا، فلماذا لم يُعلن عنها وقت حدوثها؟

اتهامات أكبر من قدرة «المستقبل»

خاصة وأنها تحدثت عن قضايا شائكة ومعقدة من نوع وقف عملية حصر السلاح، ووقف التحقيق الجنائي، ووقف الإجراءات ضد الاقتصاد الموازي، وكلها قضايا تتم بضغط دولي ومواكبة حثيثة، بحيث إنها أكبر من قدرة أحمد الحريري أو حتى “تيار المستقبل” نفسه على تحمُّلها، فضلًا عن لا معقوليتها بالنسبة للتيار ومؤيديه عامة، والرئيس سعد الحريري خاصة.

إنه لمن المؤسف في هذه الظروف أن يستمر التعامل – من هذا البعض – مع قامة كالرئيس سعد الحريري، ومع طائفة كالطائفة السنية في لبنان، بهذه الطريقة التي هي بعيدة كل البعد عن التنافس السياسي الداخلي الشريف.

بحيث يبدو الأمر وكأن التعامل معه يتم انطلاقًا من حسابات إقليمية لا تأخذ بالاعتبار المصلحة الوطنية اللبنانية ومقتضياتها، خاصة وأن الرجل لم يقل كلمته بعد، وهو الذي أعلن تعليق عمله السياسي منذ أربع سنوات – وللتذكير – لأسباب ثلاثة، عندما أعلن يومها بأن “لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان في ظل النفوذ الإيراني، والتخبط الدولي، والانقسام الداخلي، واستعار الطائفية، واهتراء الدولة”.

الأسباب لا تزال قائمة

اليوم من الواضح أمام كل مراقب بأن هذه الأسباب لا تزال قائمة وإن بنسب متفاوتة. فباستثناء القرار الأميركي الصارم، والذي يختصر القرار الدولي في التعامل مع أوضاع المنطقة وضمنها لبنان، فإن النفوذ الإيراني في الداخل اللبناني لم ينتهِ كليًا بعد رغم بعض التراجع، كذلك الانقسام الوطني والطائفي لم يزل على حاله.

من هنا يمكن الجزم بأن هذه التسريبات قد تكون نتاج فبركة “أبو عمر” إعلامي جديد، يهدف إلى زرع الشكوك وتوسيع الشق بين الرئيس سعد الحريري والمملكة العربية السعودية، التي بلا شك لن تمر عليها هذه المرة أيضًا مثل هذه الألاعيب “اللبنانية”، كما لم تمر عليها المرة الماضية حكاية الأمير الوهمي “أبو عمر”.

فهل يعود سعد الحريري وتيار المستقبل – بطريقة ما – ويستعيد “السُنّة” من براثن “أبو عمر” بشقيه السياسي والإعلامي؟

إن غدًا لناظره قريب.

السابق
قطار الإنتخابات النيابية ينطلق: الحجار يتفقد جهوزية وزارة الداخلية مع بدء استقبال طلبات الترشيح
التالي
قطاع النقل البري رفض القرار السوري بشأن تنظيم دخول الشاحنات اللبنانية: لاعتماد مبدأ المعاملة بالمثل