منذ سنوات طويلة، يجري التعاطي مع حزب الله على قاعدة سؤالٍ ملتبس: هل هو حزب سياسي يمتلك جناحاً عسكرياً، أم تنظيم عسكري انخرط في السياسة؟ غير أن هذا السؤال، بحد ذاته، يفترض أمراً غير دقيق. فحزب الله، في بنيته التأسيسية ووظيفته الفعلية، لم يكن يوماً حزباً سياسياً، بل نشأ منذ لحظته الأولى كمؤسسة أمنية عسكرية، مرتبطة عضوياً بالحرس الثوري الإيراني، عقيدةً وتنظيماً وقراراً. وعليه، فإن الحديث عن «تحوّل» من الأمن إلى السياسة ليس إلا توصيفاً شكلياً لمرحلة قناع، لا مسار تطوّر حقيقي.
الأحزاب السياسية تولد من المجتمع، من مصالحه وتناقضاته، وتعبّر عنها عبر برامج قابلة للتبدّل والمراجعة. أما حزب الله، فقد وُلد كأداة ضمن مشروع إقليمي واضح، في لحظة إيرانية كانت تبحث فيها طهران عن ذراع متقدّمة في المشرق. لم ينشأ الحزب نتيجة نقاش لبناني داخلي حول الهوية أو الدولة أو النظام، بل نتيجة قرار أمني–عقائدي عابر للحدود. من هنا، فإن السياسة لم تكن يوماً جوهره، بل وظيفة ثانوية استُخدمت حين اقتضت الحاجة.
حزب الله يتمثّل رسمياً
دخول حزب الله إلى الحياة السياسية اللبنانية، سواء عبر البرلمان أو الحكومة، لم يكن تعبيراً عن إيمان بالديمقراطية التمثيلية أو بالشراكة الوطنية، بل كان أداة ضبط وشرعنة. فالسياسة هنا لم تُستخدم لتقييد السلاح، بل لتأمين غطائه. ولم تكن المشاركة بهدف التأثير في السياسات العامة، بل بهدف منع قيام سياسات تمسّ جوهر الدور الأمني للحزب.
هذا يفسّر لماذا بدا الحزب دائماً عاجزاً عن إنتاج خطاب سياسي حقيقي حول الدولة. فخطابه لم يتجاوز يوماً التبرير الدفاعي: تبرير السلاح، تبرير القرار الأحادي، تبرير الخروج على منطق السيادة. وحين كان يُسأل عن الاقتصاد، أو الإدارة، أو العلاقات الخارجية، كان الجواب دائماً عاماً، مبهماً، أو مؤجَّلاً. ذلك لأن هذه الأسئلة لا تقع ضمن اختصاص مؤسسة أمنية، مهما حاولت التمويه.
الأحزاب السياسية تولد من المجتمع، من مصالحه وتناقضاته، وتعبّر عنها عبر برامج قابلة للتبدّل والمراجعة. أما حزب الله، فقد وُلد كأداة ضمن مشروع إقليمي
ومع تغيّر الظروف الإقليمية والداخلية، تراجع هامش المناورة السياسية. لم تعد الشعارات الكبرى قادرة على حجب التناقض بين واقع لبنان المنهار، ودور حزب يملك فائض قوة ولا يتحمّل مسؤولية الدولة. هنا بدأ القناع السياسي بالتآكل، وظهر الجوهر الأمني بوضوح أكبر.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل رمزية شخصيات مثل وفيق صفا. فالمسألة لا تتعلّق بشخصه بقدر ما تتعلّق بما يمثّله. انتقال واجهة الخطاب من السياسي، أو حتى العقائدي، إلى المسؤول الأمني، يعني أن الحزب لم يعد يرى ضرورة للإقناع. الرسالة لم تعد سياسية، بل ردعية. لم نعد أمام محاولة كسب رأي عام، بل أمام إدارة ملف داخلي بمنطق “نحن نعرف، ونحن نراقب، ونحن قادرون”.
وهنا تحديداً يتجلّى الفرق بين الحزب السياسي والتنظيم الأمني. الحزب السياسي، عندما يواجه أزمة شرعية، يلجأ إلى المراجعة، إلى تعديل الخطاب، إلى البحث عن تسوية جديدة. أما التنظيم الأمني، فعندما يشعر بتراجع السيطرة، يلجأ إلى التشدد، إلى التخويف، إلى إغلاق المجال العام. وهذا ما نشهده اليوم بوضوح.
دخول حزب الله إلى الحياة السياسية اللبنانية، سواء عبر البرلمان أو الحكومة، لم يكن تعبيراً عن إيمان بالديمقراطية التمثيلية أو بالشراكة الوطنية، بل كان أداة ضبط وشرعنة
هل يعني ذلك وجود انقسام داخل الحزب؟
ليس بالمعنى التقليدي لانشقاقات أو تيارات متصارعة. ما يجري أقرب إلى إلغاء السياسة من الداخل. أي تهميش أي صوت قد يرى ضرورة إعادة التفكير بالدور أو العلاقة مع الدولة. فالمؤسسة الأمنية لا تحتمل التعدد، ولا تعترف بالاجتهاد. القرار فيها واحد، والمسار واحد، والاعتراض يُنظر إليه كخلل أمني لا كاختلاف سياسي.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في طبيعة الحزب، بل في انعكاس ذلك على لبنان. فوجود قوة منظَّمة تتصرّف كجهاز أمني فوق الدولة، وتتعامل مع المجتمع بوصفه بيئة يجب ضبطها لا شريكاً يجب إقناعه، يعني عملياً تعطيل أي إمكان لإعادة بناء دولة طبيعية. لأن الدولة، في جوهرها، تقوم على السياسة، على التفاوض، على التوازن، وعلى قبول الخسارة. وكلها مفاهيم غريبة عن العقل الأمني.
ما نشهده اليوم، إذاً، ليس انحرافاً طارئاً في مسار حزب الله، ولا «تشدد مرحلة». إنه عودة إلى الأصل. عودة المؤسسة الأمنية إلى لغتها الطبيعية بعد أن استُنفدت وظيفة السياسة. وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر خطورة، لأن الأحزاب قد تُهزم سياسياً، أما الأجهزة الأمنية فتنهار فقط حين تنفجر التناقضات من حولها.
وفي بلد كلبنان، تاريخُه حافل بالانفجارات المؤجَّلة، فإن أخطر ما يمكن مواجهته هو تنظيم لا يرى في السياسة سوى غطاء مؤقت، ولا في المجتمع سوى ساحة مراقبة.

