المقال الاستراتيجي الذي تَحَوَّلَ ذريعة لإدخالي السجن خمسين أسبوعًا، بأمرٍ من آميل لحود، وتنفيذ عدنان عضوم، وصمت سليم الحص، جوقة ساقطة من الظلم والظلمة.
في شهر تموز من عام ١٩٩٨، طلب مني رئيس الحكومة في حينه الشهيد رفيق الحريري (الذي كان في ذات الوقت رئيسي الإداري المباشر التسلسلي والهرمي بصفته أيضًا وزيرًا للاتصالات) أن أكتُبَ له في تقريرٍ مُفَصَّلٍ رؤيتي لتطوير القواعد التنظيمية والأطر التشغيلية وقواعد الحوكمة الرشيدة الضرورية لنقل قطاع الاتصالات في لبنان إلى نماذج الدول المتطورة. وذلك، بعد أن كان قد تم طيلة ورشة استمرت منذ عام ١٩٩٣ إلى بداية عام ١٩٩٨ إعادة إعمار البنى التحتية والتقنية وتطوير الخدمات والاتصالات على الأراضي اللبنانية كافة، بأحدث التقنيات المعتمدة وقتها.
أعددتُ الدراسة الاستراتيجية المطلوبة، وسلّمتُها للرئيس الشهيد رفيق الحريري في شهر أيلول من عام ١٩٩٨.
الانقلاب..وتسليم الدراسة مجددًا
في شهر كانون الأول/ديسمبر من عام ١٩٩٨ حصل الانقلاب الدستوري الأخطر في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية، وتم تكليف سليم الحص بتشكيل حكومة العهد الأولى للرئيس الفاشي آميل لحود.
في شهر كانون الثاني من عام ١٩٩٩ أرسلت مجددًا، بناءً لطلبه، نسخة عن دراستي الاستراتيجية المذكورة إلى كل من رئيس الحكومة الجديدة سليم الحص وإلى وزير الاتصالات الجديد عصام نعمان، وأيضًا نسخة إلى وزير الدولة للإصلاح الإداري حسن شلق. وأيضًا إلى رئيس الجمهورية بواسطة قائد لواء حرسه مصطفى حمدان والضابطين واصف سرحال وأمين فرحات.
من الخطة إلى الصحافة
في شهر حزيران/يونيو من عام ١٩٩٩ حضر إلى مكتبي في وزارة الاتصالات في منطقة سامي الصلح في بيروت رئيس قسم الاقتصاد في جريدة السفير المغفور له الإعلامي “الكابتن” عدنان الحاج، ترافقه الصحافية الاقتصادية الأستاذة الشابة سلوى بعلبكي.
اطلعتهما على تفاصيل مضمون الخطة الاستراتيجية التي أراها الأنسب والأفضل للقفز بتطوير الإطار التشغيلي والتجاري والحوكمي لقطاع الاتصالات في لبنان؛ والتي تعتمد النموذج المتطور المعتمد في حينه في فرنسا.
وكانت هذه الخطة تتضمن ضرورة البدء بمرحلة دمج شامل داخل الإدارة العامة في وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو، ثم الانتقال بعدها إلى مرحلة تحرير القطاع من خلال إنشاء مشغّل وطني للاتصالات يدعى “ليبان تيليكوم” يكون مستقلًا في قراراته، ثم الانتقال إلى مرحلة خصخصة جزئية أقلوية، تتبعها مرحلة خصخصة جزئية أغلبوية، تواكبها مرحلة يتم فيها إدخال القطاع الخاص اللبناني إلى عدد من الأسواق الناشئة المحددة، تحت إشراف هيئة منظمة للاتصالات يجب إنشاؤها عاجلًا.
فقام “الكابتن” الأستاذ عدنان الحاج (رحمة الله عليه) بنشر مضمون هذه الخطة في المقال أدناه في صحيفة السفير.
الانقضاض والتوقيف
كانت النتيجة الفورية لنشر هذا المقال، أن قام “الحاكم الفعلي” وزير الداخلية في حينه ميشال المر، مستعملًا الوزير اليوضاس الخزمتشي عصام نعمان ورئيس الحكومة الوهمي الحاضر/الغائب سليم الحص ورئيس الجمهورية الحاقد والمحتقن آميل لحود كأدوات مسخّرة وطَيِّعة، بالانقضاض عليّ، وإقالتي من منصبي بذريعة هذا المقال، وإحالتي في مضبطة اتهامية تم تركيبها وتلفيقها في حوانيت الهوى السياسية الليلية بأقلام عبيد محاكم التفتيش (فؤاد هيدموس وجورج غلمية) أمام الهيئة العليا لتأديب الموظفين، وإدخالي إلى السجن بواسطة جلاد العدلية المهووس عدنان عضوم، طيلة فترة المحاكمة، مع توقيفي على ذمة التحقيق طيلة خمسين (٥٠) أسبوعًا.
البراءة… بعد السجن
انتهت هذه المحاكمة، التي كان فارس الدفاع فيها المحامي الأستاذ الدكتور منيف حمدان (طيب الله ثراه وأسكنه علياء جنانه)، بإعلان رئيس الهيئة العليا للتأديب الدكتور ميشال تابت والعضوين الدكتور عاطف مقلد والأستاذ رهيف الأيوبي براءتي من كل التهم المنسوبة إليّ، وأيضًا التنويه بإنجازاتي وكفاءتي في إدارة مسؤولياتي في منصبي الرسمي في لبنان.
كان قائد الأوركسترا، في حينه، حاكم لبنان المفوض الأعلى السوري اللواء غازي كنعان. وكانوا كلهم عبيدًا بين يديه، وعند قدميه، وتحت نعليه، بأشكالٍ وأسماء وصفاتٍ متعددة. ومنهم من استمر أو تطور في آلة الحكم والدولة: مفتشًا عامًا، أو رئيسًا للتفتيش المركزي أو جهاز آخر للرقابة، أو نائبًا، أو وزيرًا، أو رئيسًا للحكومة، أو نائبًا لرئيس الحكومة، أو حتى رئيسًا للجمهورية.
القانون المعلّق منذ 26 عامًا
لكن الأدهى من ذلك كله، أن الخطة التي وضعتها في حينه، والتي صدرت في عام ٢٠٠٢ بصيغة قانون لتطوير قطاع الاتصالات هو القانون رقم ٤٣١، لم تزل لغاية اليوم (أي بعد ٢٦ سنة) بدون تنفيذ.
إرمي الفارس، ترمي الجواد.

