لأوّل مرّة منذ سقوط نظام آل الأسد يدخل فريق “جنوبيّة” برئاسة رئيس تحرير الموقع علي الأمين إلى دمشق، الذي حلّ ضيف شرف على معرض دمشق الدولي للكتاب لعام 2026، عاصمة تحمّلت كباقي المحافظات والمدن آلامًا ودماءً وجثامين ورصاصات لم تخترها قدرًا لها، واختارت أن تعتنق مجدّدًا ثقافة الحياة والنهوض، وأن تقاتل بجسمها البشريّ والعمرانيّ المهشّم كلّ مظاهر الركود واليأس والخوف.
كان لفريق موقع “جنوبيّة”، الذي وقف منذ اليوم الأوّل إدارة وصحفيين عاملين فيها، إلى جانب ثورة الكرامة والحرّية مع الشعب السوري ضد القمع والقتل والفقر والجوع، جولة بدأت في دمشق.
وسنرصد في هذا التقرير الانطباعات التي تولّدت منذ الدخول إلى الأراضي السوريّة حتّى الخروج منها، انطباعات ذات أبعاد ثقافيّة، اجتماعيّة وسياسيّة، تظهر الصورة الأقرب من الحقيقة المطلقة لسوريا الجديدة التي تقاوم حملات التزييف والإشاعات والدعايات السياسيّة المثبّطة، في محاولة للنيل من معنويات القيادة الجديدة وللشعب الذي يتعافى معنويًّا وماديًّا واجتماعيًّا.
اليوم الأوّل: من بيروت إلى بقعة الياسمين
العبور إلى سوريا الجديدة من الحدود البرية اللبنانية عند نقطة بلدة المصنع التاريخية، لا يمكن أن يمرّ دون وجه مقارنة مع زمن نظام الأسد الذي انتهى عهده قبل عام وثلاثة شهور.
فقد كانت الإتاوات من قبل الضباط السوريين وجنودهم عبئًا على السائقين والمسافرين على حدّ سواء، والرشاوى مقابل عمليات تهريب البضائع بين البلدين هي التجارة السائدة.

القلق يتم تبديده مباشرة فور الدخول إلى النقطة الحدوديّة الحكوميّة في جديدة يابوس التابعة للأمن العام السوري، فقد اختفى كلّ أثر للبلطجة الحدودية التي كانت قبلاً، وحلّ مكانها الانضباط التام والالتزام بالقوانين، مرفقة بالابتسامات الطيبة من قبل رجال الأمن والجمارك السوريين التي تزرع الطمأنينة والودّ في نفوس العابرين.
والمبنى المقسوم إلى نصفين: نصف للوافدين ونصف للمغادرين، يتمتع بكل مظاهر النظام والفخامة. الأعلام السوريّة تحتل الزوايا والطاولات، خدمة إنترنت مجانيّة تتوفّر للذين ينتظرون أدوارهم عند كلّ خانة، الخانات مقسّمة بخطوط وألوان مريحة للنظر بين عربي وسوري ودبلوماسي… فضلًا عن النظافة ومراعاة الترتيب وراحة الوافدين والمغادرين من قبل العناصر العاملين في النقطة.
يلاحظ أنّ كلّ عنصر من عناصر الأمن العام يحرص على التمهل في تفحّص المستندات والأوراق المطلوبة، والاحتكاك بالمسافرين يُترجم من قبلهم بعبارات لطيفة لا تخلو من التكريم ومراعاة المشاعر، فضلًا عن التعاون المتين بين العناصر ليشكّلوا بذلك خليّة متماسكة رصينة تحرص على تخليص المعاملات وتفكيك كلّ العقد بسلاسة، خصوصًا مع وجود المسار التكنولوجي المصاحب لكلّ عنصر.
الخروج من النقطة يقابله عدّة حواجز، تدلّ على حرص الحكومة على الأمن والأمان، بشكل سريع يتم تفحّص السيارات والأغراض، يتم تختيم الأوراق، دون سمسارات، دون مضايقات، كما كان الحال في عهد النظام البعثي.
النقاط التي كانت تحتلها الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد تحوّلت إلى أقواس كتب عليها عبارات ترحيب بالمسافرين، يحرص عناصر الأمن والمخابرات السوريين على تحسيس الأجنبي والمقيم بالحماية والأمن، بكلمتين “أهلًا وسهلًا فيكن”، لمحو كلّ رواسب الخوف التي زرعها النظام السابق في عقولنا على مدى عقود.
وصلنا بعد نصف ساعة إلى دمشق، الشوارع ليلة الجمعة تضجّ بالحياة، الساحات واسعة، الدوائر الحكوميّة في قلب العاصمة لكن لا موانع ولا حواجز تعيق مرور أي مواطن قربها. منطق “العنتريات” الأمنيّة تمّ تبديده، سواء على صعيد الهويّة البصريّة أو على صعيد الانتشار الأمني، الهيكليّة الأمنيّة تشكّل أبوّة خفيّة تحتضن الناس وتحميهم دون تحسيسهم بالخطر أو الخوف.
في دمشق، يمكنك المرور قرب مجلس الشعب، والتقاط سيلفي، دون أن تصطدم ببلوكات إسمنتيّة أو حواجز أمنيّة تتسبب بقطع أعناق وأرزاق أصحاب المصالح التجاريّة، وفي شارع المحافظة تجد تمثال يوسف العظمة بأبهى حلّة فنيّة يتفاز حوله الأطفال ويلتقط له صورًا الكثير من العابرين بفخر وابتسامة.
اليوم الثاني : سحر المقاهي ولغة الأحياء وأبجديّة معرض الكتاب
لمقاهي الشام أدبيّاتها ورونقها ولغتها، ولا يمكن تجاهل مقهى الروضة الذي كان لـ”جنوبيّة” حديث مع صاحبها أحمد كوزوروش، الذي أخبرنا بأنّ المقهى كان عبارة عن صالة سينمائيّة صيفيّة عام 1938 في عهد الانتداب الفرنسي وتحوّلت هذه الصالة في العام نفسه إلى مقهى تمّت تسميتها بالروضة وهي مقهى تقع في حيّ الصالحيّة في دمشق، اشتراها عام 1973 عصمت كوزوروش التركي الأصل وبدأ وفقًا لما قاله نجله المدير الحالي للمقهى لـ” جنوبيّة ” وقد حرص عصمت كوزوروش منذ عام 1973 حتى عام 2000 على ترميم واعادة هيكلة المقهى وانتشاله من الفوضى من الاهمال، ويقول نجله لـ” جنوبيّة ” أنّ عددًا كبيرًا من الفنانين والمثقفين منهم من فارق الحياة ومنهم ما زال حيًّا تردّد ويتردّد إلى المقهى أبرزهم: أدونيس، محمّد الماغوط، شوقي البغدادي، عدنان بركات، جمال سليمان، عبّاس النوري، بسّام كوسا، أيمن زيدان، خليل صويلح، حاتم علي وقصي الخولي وغيرهم…
بأمل يتحدّث كوزوروش عن الواقع، يقول لـ”جنوبيّة” أنّنا في مرحلة الانتظار والترقب، فقبل الحرب كان المقهى كباقي المقاهي يزدحم بالموظفين والعاملين الحكوميين ابتداءًا من السابعة صباحًا حتّى الثالثة فجرًا، الان الحركة خفيفة تبلغ ذروتها بعد الظهر وهو متوقع فالبلد وفقًا لكوزوروش ” طالع من الحرب ” لكن الأمل موجود.

في الروضة ومعظم المقاهي والمطاعم صوت فيروز وفضل شاكر ووردة ونجاة الصغيرة لا يغادر، تسمع السوريون يضحكون، يتحدثون بصوت عالٍ في السياسة، يمكنهم مثلًا أن يقولوا أحمد الشرع دون لقب رئيس ويكملون سهرتهم بأمان وسلام وسعادة.
ومن المقاهي والمطاعم التي تقدّم أطباقًا سوريّة لذيذة بأسعار مقبولة مرفقة بضريبة استهلاك وإعادة الإعمار ننتقل إلى سحر الحارات الدمشقيّة القديمة، فسوق الحميديّة حتّى في أيّام العطلة يضجّ بالحياة، المحلّات تنتظر انتهاء صلاة الجمعة لتبدأ باستقبال الزبائن بأرقى معاملة، الطابع الأثري في سوق الحميديّة رصدته ” جنوبيّة” بعين التعتّق أصبح السوق أكثر عتقًا وأثريّة، لكنّه لم يخل من الحركة والأسعار الرمزيّة، عند باب توما وباب شرقي، تتحرك الناس دخولًا وخروجًا بخفّة، تنتقل من محلّ إلى آخر…بهدوء وسلام، ترى في بعض المحلات من يصلّي داخلها وفي بعضها الاخر من يعمل أو يتحدّث مع صديقه… هو التنوّع والحريّة التي اصطفاها السوريون ليبدأوا حياة جديدة ومختلفة.
من هذه الأحياء التاريخيّة التي يقدّرها المقيم والمغترب ننتقل إلى معرض دمشق للكتاب، الذي عكس بكلّ موضوعيّة الوجه الثقافي لدمشق أقدم المدن تاريخيًّا، ولمسار السلطة الجديدة الحريص على المعرفة وروحيّة الكتاب، أكثر من خمس قاعات في مدينة المعارض منها قاعة الاعلام، قاعة الرئاسة، قاعة المحاضرات ، المعرض، قاعة الاستراحة، المصلّى (قسم مخصّص للرجال وقسم للنساء)، في المعرض خمس قاعات ( قاعة التراث، قاعة الأدب، قاعة الطفل، قاعة المعرفة ، قاعة الشباب ) الازدحام لم يغادر المعرض، السوريون يتخذون من الكتاب جملًا يعبر بهم من الخوف إلى الهدوء، من الموت إلى الحياة، معظم المترددين إلى المعرض حملوا أكياسًا واشتروا كتبهم المفضّلة بأسعار تقل النصف عن أسعار الكتب في لبنان…

عدّة تواقيع حضرها فريق جنوبيّة منها توقيع الروائي والناقد السوري خليل صويلح، الذي وقّع في جناح دار نينوى جميع اصداراته منها روايته ” جنّة البرابرة” ” ماء العروس ” ، اختبار الندم ” احتضار الفرس”، ورّاق الحب ، ضد المكتبة وغيرها…
صويلح تحدّث لـ” جنوبيّة” عن أمله بعودة سوريا إلى القطار الحياتي والثقافي التي عرفت من خلاله، وتحدّث بشغف عن قراره بالبقاء طيلة الحرب في دمشق دون أن يفكر بمغادرتها ويضف لـ” جنوبيّة ” أنّ الترقب والانتظار هما أدق مرحلة لأن كل تفصيلة في سوريا ثقافيّة كانت أو اجتماعيّة او سياسيّة ستساهم في تحديد ملمح سوريا الجديدة.
على هامش المعرض كان لرئيس تحرير موقع جنوبيّة علي الأمين عدّة لقاءات رسميّة بدأها مع مستشار الرئيس السوري لشؤون الاعلام الدكتور أحمد زيدان، ووزير الثقافة محمد ياسين صالح، وقاضي التحقيق في أحداث الساحل جمعة العنزي، ورئيس اتحاد كتاب العرب د. أحمد جاسم الحسين، وعميد المسرح السوري الفنان غطفان غنوم والعديد من الشخصيات الثقافيّة والسياسيّة السوريّة.
اليوم الثالث: المغادرة وجولة سريعة
كما دخلنا بسلاسة وسلام، خرج فريق جنوبيّة بسلاسة وسلام، لم تكن الرحلة مجرّد اختبار للتجربة السوريّة الجديدة، بل انخراط في الأجواء الدمشقيّة التي تعبر بخط سريع نحو ومستقيم نحو الازدهار والاستقرار والأمان والنظام.
دمشق ودّعتنا وداع أمل بلقاء جديد ومستمرّ، تركناها تتابع هيكلة لغة الحياة وكتابة معجم الاستقرار لنعبر إلى بيروت ونحن ننظر إلى سوريا من بعيد، سوريا التي ترفض الظلم والعزلة والرضوخ، وتقبل باستعادة دورها الاقليمي والعربي كرافعة ثقافيّة وفنيّة وسياسيّة تنكفىء عن الصراعات والتدخلات الخارجيّة وتنشغل بهدوء بترميم نفسها لتستقبلنا مرّة أخرى زارعة الدهشة الأكبر.
















