زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة تمثل حدثًا سياسيًا بامتياز أكثر من كونه مجرد لقاء عسكري روتيني. فالزيارة تأتي في سياق إقليمي حساس، حيث تحرص واشنطن على دعم الدولة اللبنانية ضمن رؤية أوسع للشرق الأوسط خالية من النفوذ الإيراني والميليشيات المسلحة. تحليل هذه الزيارة لا يمكن أن يتم بمعزل عن البعد السياسي، إذ سبق للولايات المتحدة أن ألغت زيارة مماثلة سابقًا بعد بيان للجيش اللبناني، حمّل فيه إسرائيل وحدها مسؤولية ما يحدث في الجنوب من دون ذكر “حزب الله”، بحسب مصادر لبنانية في حينها.
الدعم العسكري مشروط بالقرار السياسي
الزيارة تهدف أساسًا إلى مناقشة ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة للجيش اللبناني من دعم عسكري، لكنها لا يمكن فصلها عن السياسة، خصوصًا في ظل شعار الدولة اللبنانية المتمثل في حصر السلاح بيد الشرعية. هذا الأمر يعكس رؤية أميركية أوسع للشرق الأوسط، تهدف إلى إعادة هيكلة موازين القوى في المنطقة واختبار الحكومة اللبنانية من خلال هذا الواقع، والتأكد أيضًا من أن الجيش اللبناني قادر على تنفيذ القرار السياسي للحكومة اللبنانية، في حصر السلاح جنوب وشمال الليطاني.
واشنطن وملف السلاح
واقعيًا، يتضح أن الولايات المتحدة تتعامل مع لبنان من خلال ملف سياسي كعنوان عام، يدخل تحته دعم الجيش وتقييم واشنطن لدوره في تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الثاني 2024، والذي نص على سحب سلاح الحزب كمرحلة أولى من جنوب الليطاني.
الجيش أداة تنفيذ لا لاعب سياسي
من جهة أخرى، يبدو أن الهدف الأميركي هو الدفع نحو مفاوضات لاحقة تأخذ الطابع السياسي، مع التأكيد على أن الجيش اللبناني يظل أداة تنفيذ وليس لاعبًا سياسيًا. والمسؤولية تقع بالكامل على الحكومة اللبنانية. لذا الإدارة الأميركية تتوقع من الجيش تطبيق القرار السياسي الخاص بحصر السلاح وضبط جميع المظاهر العسكرية من الجنوب، طالما أن الحكومة قد اتخذت القرار. هذا الفصل بين السياسي والعسكري يوضح أن أي دعم أميركي للجيش مشروط بقدرة الدولة على فرض نفسها كفاعل أساسي يحتكر السلاح شرعيًا.
الدولة والقرار السيادي
الدولة اللبنانية لا يمكنها التذرع بالتوازنات الداخلية لتجنب تطبيق قراراتها السياسية السيادية، فالمطلوب هو أن تبدو دولة سيدة وقادرة على حماية أمنها القومي بقواها الذاتية، وبناء شبكة علاقات عربية ودولية تمكنها من مواكبة السياسات الدولية والإقليمية.
فالسياسة هنا علاقة قوة، فكلما تقاعست الدولة عن إظهار سلطانها، كلما خسرت مصداقيتها داخليًا وخارجيًا، وكذلك الدعم الدولي. المسؤولون اللبنانيون يعرفون ما هو مطلوب منهم، ويدركون أن أي مساعدات خارجية لن تُمنح قبل إظهار قدرتهم على بناء الدولة واحتكار العنف، وفرض النظام والقانون داخل المجتمع، فمنطق الأشياء يقول إن “الدولة تمارس داخل حدودها سلطة خاصة متميزة آمرة وأصيلة” لا ينازعها فيها أحد.
اختبار الجدية أمام المجتمع الدولي
عمليًا، زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن اختبار لجدية الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي. الشرط الأساسي للحصول على الدعم الخارجي واستعادة ثقة الأصدقاء والمستثمرين هو أن تظهر الدولة ككيان قادر على اتخاذ قرارات سياسية حاسمة وفرضها عمليًا، وأن أي تأخير أو تردد سيجعل لبنان خارج حسابات المرحلة المقبلة، وسيصبح الدعم الدولي والعربي بعيد المنال. باختصار، الدولة اللبنانية أمام خيار واضح: إما أن تبدو دولة فعلية، أو أن تتعرض لتهميش داخلي وخارجي، ويصبح تنفيذ أي اتفاقيات دولية عبر الجيش اللبناني مشروطًا بالتطبيق الجدي لخطاب القسم والبيان الوزاري.
الفرصة الإقليمية المتاحة
لا شك أن الحكومة اللبنانية ورثت واقعًا سياسيًا صعبًا يمتد لعقود وأزمات متجذرة، تتمثل عوارضها في ضعف القرار السياسي اللبناني أمام التحديات الخارجية والانقسامات الداخلية. ومع ذلك، تمتلك هذه الحكومة فرصًا استراتيجية مهمة، وفرتها لها مجموعة من التطورات الإقليمية، أبرزها نتائج حرب الإسناد التي جاءت غير مؤاتية لمحور الممانعة، ثم سقوط بشار الأسد وانتقال الحكم في سوريا إلى إدارة جديدة بقيادة أحمد الشرع، بالإضافة إلى حرب الـ12 يومًا التي شنتها إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة ضد إيران. كل هذه التطورات خففت من الثقل الإقليمي الذي كان يتمثل بالنفوذ الإيراني، ما يتيح للبنان تعزيز قراره السيادي، والعمل على حصر السلاح بيد الشرعية وممارسة سيادتها كمعيار رئيس لدولة مستقرة وقوية.
في الختام، إزاء هذه المعطيات، لا خيار أمام الحكومة سوى اتخاذ القرار السياسي الواعي والاحتكام للدستور والشرعية، لضمان حماية الدولة وتعزيز سيادتها، وتفعيل عمل المؤسسات الدستورية، ورسم سياسة خارجية تعبر حصرًا عن المصلحة الوطنية اللبنانية.

