ليس تفصيلًا عابرًا أن تحطّ فرقة شمس بعلبك رحالها في دير الأحمر، ولا مشهدًا عاديًا أن تتلاقى خطوات الدبكة الخارجة من عمق بعلبك مع أجراس الكنائس في البلدة. في هذا اللقاء ما يتجاوز الزيارة والاحتفاء، إذ يتجسّد لبنان كما ينبغي أن يكون، وطنًا يولد من الفن كلما اختنق بالانقسام، ويستعيد عافيته كلما اجتمع أبناؤه حول تراثهم المشترك.
فهنا، لا يذوب الاختلاف، بل يسمو، ولا تُمحى الخصوصيات، بل تتجاور لتصنع هوية أوسع وأصدق.
زيارة تتجاوز الاحتفاء إلى المعنى الوطني
برفقة مخاتير آل الصلح، حضرت فرقة شمس بعلبك، المشاركة في برنامج (يلي نِدبِك) عبر شاشة MTV، إلى دير الأحمر في زيارة حملت أبعادًا وطنية وثقافية وإنسانية متداخلة.
زيارة قالت بوضوح إن التنوّع الديني لا ينقض وحدة الانتماء، وإن الحضارات حين يجمعها الفن لا تتصادم، بل تتكامل، وتتحوّل من خطوط تماس إلى مساحات حياة مشتركة.

المطران حنا رحمة: التراث فعل حي ومسؤولية
المحطة الأولى كانت في دار الرعاية الروحية، حيث استقبل راعي أبرشية بعلبك ودير الأحمر المارونية المطران حنا رحمة الوفد بمحبة تسبق الكلمات وتختصر الرسالة. شدّد المطران على أن التراث ليس ماضيًا يُعلّق على جدران الذاكرة، بل فعلًا حيًا يتجدّد، ومسؤولية أخلاقية وجمالية في زمن تتآكل فيه المعاني وتشوَّه فيه القيم.
وأعلن دعمه الكامل لفرقة شمس بعلبك، معتبرًا إياها وجهًا حضاريًا راقيًا لبعلبك وصوتًا فنيًا يعيد الاعتبار للثقافة الشعبية بوصفها جسرًا للتلاقي بين اللبنانيين، لا أداة فصل بينهم.

الفن قوة ناعمة في مواجهة الانقسام
ومن الروح إلى الشأن العام، انتقلت الزيارة إلى لقاء جامع مع رئيس اتحاد بلديات منطقة دير الأحمر المهندس هنري الفخري، بحضور نخبة من الفاعليات المحلية والاجتماعية والثقافية.
لم يكن اللقاء بروتوكوليًا بقدر ما كان حوارًا عميقًا حول دور الفنون الشعبية في حماية الذاكرة الجماعية، وحول قدرة الدبكة على أن تكون لغة وطنية مشتركة، تُفهم بالإيقاع والانتماء، لا بالترجمة والخطاب.
كان الحديث عن الفن كقوة ناعمة، قادرة على ما تعجز عنه السياسة أحيانًا، جمع المختلفين حول معنى واحد.
MTV و«يلا نِدبِك»: الدبكة تعود إلى قلب الناس
وفي هذا السياق، يبرز الدور المفصلي الذي تؤديه MTV عبر برنامج (يلا نِدبِك)، الذي تجاوز كونه مسابقة فنية ليصنع حالة وطنية جامعة.
برنامج أعاد الدبكة إلى قلب الناس، لا إلى هامش الذاكرة، وربط الأجيال الشابة بجذورها، وفتح نوافذ المناطق بعضها على بعض، ليؤكد أن لبنان ليس جزرًا متقابلة، بل إيقاعًا واحدًا تتنوّع خطواته وتتناغم.
حين يُرمَّم الوطن بالجمال
زيارة فرقة شمس بعلبك إلى دير الأحمر لم تكن صورة عابرة ولا حدثًا احتفاليًا عاديًا، بل فعل إيمان عميق بلبنان.
إيمان بأن هذا الوطن لا يُنقذ بالسجالات العقيمة، ولا يُبنى بالخوف، بل يُرمَّم بالجمال، ويُصان بالتراث، ويُشفى حين نلتقي على أرض واحدة ونرقص للمعنى نفسه.
هنا، في دير الأحمر، رقصت بعلبك، وصلت الدبكة، تصافحت الحضارات، وكان الوطن…

