أواصرُ النَّبضِ ومواسمُ الانتماء

تستقرُّ في أعماقِ الوجدانِ تراتيلُ لا يمحوها تقادمُ العهدِ، وهي أنَّ المرءَ لا يستوي غصنُه إلا إذا استندَ إلى جذعٍ صلبٍ من الأُلفةِ، ولا يورقُ ربيعُه إلا بماءِ الوفاءِ الذي سكبهُ الآباءُ في تربةِ النُّفوسِ. لقد كانَ المساءُ في مَرابعنا العامليّةِ لا يبدأُ إلا حينَ تتشابكُ الأيدي، وتتعانقُ الأرواحُ في مضافةِ الأخوةِ الكبارِ، حيثُ هيبةُ الشّيبِ تمنحُ الصّغارَ طمأنينةً لا تزعزعُها الرّياحُ.

مضافات القرى وروح العائلة الواحدة

هناكَ، تحتَ ظلالِ التّكافلِ العفويِّ، وعيتُ على ملامحِ أعمامي وعماتي، كأنَّ في سِيماءِ “حسين” و”محمد حسين” و”جواهر” ميثاقاً غليظاً خُطَّ بمدادِ الصّدقِ، فكنا إذا دلفنا إلى بيوتِهم، أو قصدنا “أبا شريف معنقي” في حِمى ودّهِ الدّافئِ، لا نشعرُ بحدودِ النّسبِ الضّيقةِ؛ بل لشدّةِ ما كانتْ علاقةُ والدي متينةً، كنتُ أحسبُ زوجَ عمّتي أخاً لوالدي أو شقيقاً لجدّي، وكأنَّ أبناءَ البلدةِ قاطبةً أغصانٌ في شجرةٍ واحدةٍ.

هذا الزّرعُ الحسنُ الذي صنعتهُ أيدي الآباءِ والأمهاتِ جعلني اليومَ حينَ ألقى أحفادَهم، أحوطُهم بعنايةٍ فائقةٍ ورعايةٍ نابعةٍ من ذاكَ الإرثِ، فأبذلُ في خِدمتِهم كلَّ مُستطاعٍ بقلبٍ مُحبٍّ لا يتكلّفُ العطاءَ، بل يراهُ واجباً تمليهِ وشائجُ القُربى التي تجعلُ من بلدةِ الأجدادِ كوكباً من المحبّةِ يطوفُ في فلكِ التّآزُرِ المشرقِ.

الحنين إلى الأرض وذاكرة المكان

تنسكبُ الرّوحُ في مِحبرةِ الوجودِ حينَ يشتاقُ الكيانُ إلى مَغاني الأهلِ، هناكَ حيثُ تنامُ الشّمسُ في حِضنِ الرّوابي، وتستفيقُ على تراتيلِ الفلّاحينَ الذينَ جبلوا عرقَ الجبينِ بطهرِ الثّرى، فصارَ رغيفُ خبزِهم صلاةً، وصارَ مِحراثُهم قلماً يخطُّ على وجهِ البسيطةِ آياتِ الثّباتِ.

إنّها تلكَ الأرضُ التي لا تعطي ثمرَها إلا لمنْ بادلَها الوجدَ بالوجدِ، فاستحالتْ حكاياتٍ منْ نسيجِ الضّوءِ، تُروى في ليالي الحصادِ تحتَ قمرٍ يرقبُ ملاحمَ الصّبرِ والتّجلّدِ. وفي كنفِ تلكَ البيوتِ المبنيّةِ منْ صخرِ الجبالِ وعزيمةِ الرّجالِ، كانتْ المودّةُ الصّادقةُ خيطاً منْ نورٍ يربطُ القلوبَ قبلَ الأيدي، فلا ينعزلُ فردٌ عنْ جماعةٍ، ولا يغيبُ وجدانٌ عنْ همٍّ مشتركٍ.

التماسك الاجتماعي والذات الجماعية

كانَ التّواصلُ الاجتماعيُّ سمفونيّةً يتردّدُ صِداها في السُّاحاتِ، حيثُ تلتقي الوجوهُ المتوضّئةُ بترابِ الحقلِ، فتتبادلُ المودّةَ فِطرةً، وتتقاسمُ الهمومَ نُبلاً، فتصهرُ الفوارقَ في بوتقةِ الذّاتِ الجماعيّةِ التي ترى في وحدةِ الكلمةِ سياجاً للوجودِ.

إنَّ الفلّاحَ في مَداه الرّيفيّ ليسَ مجرّدَ زارعٍ للنّبتِ، بلْ هوَ حارسُ النّواميسِ الأصيلةِ، يستمدُّ منْ عطرِ التّاريخِ المشرقِ وقاراً لا تزعزعُه العواصفُ. هوَ الذي قرأَ في كتابِ الطّبيعةِ حكمةَ التّواضعِ، فتعلّمَ منَ السُّنبُلةِ أنَّ الانحناءَ للهِ عظمةٌ، ومنَ الزّيتونةِ أنَّ الصّمودَ في وجهِ الزّمنِ استمرارٌ للهويّةِ.

ميثاق الأرض والسلالة

هذهِ العلاقةُ الوجدانيّةُ بالأرضِ لمْ تكنْ مجرّدَ وسيلةِ عيشٍ، بلْ كانتْ حالةً منَ الصّيرورةِ المستمرّةِ نحوِ الأسمى، حيثُ تمتزجُ رائحةُ التّرابِ المبلّلِ بالنّدى بعبقِ الذّكرياتِ التي تمنحُ الإنسانَ ميثاقاً أزليّاً معَ السُّلالةِ.

وإنَّ استشرافَ آفاقِ الغدِ يتطلّبُ العودةَ إلى تلكَ النّبضةِ الأولى، حيثُ الحوارُ هوَ لغةُ العقولِ والتّفاهمُ هوَ جسرُ الأمانِ. إنَّ صيانةَ الكيانِ وتعزيزَ سيادتِه يبدآنِ منْ تمتينِ تلكَ الرّوابطِ الإنسانيّةِ العميقةِ، ونبذِ كلِّ ما يفرّقُ الشّملَ، فالحلُّ يكمنُ في إحياءِ قيمِ التّنسيقِ والتّآخي، وفي جعلِ التّراثِ العامليِّ والوطنيِّ مدرسةً ننهلُ منها دروسَ الاستقلالِ، لنبنيَ وطناً تسوده روحُ الوحدةِ وتزهرُ في أرجائِه بذورُ الألفةِ التي زرعَها الأجدادُ لتكونَ للأبناءِ ملاذاً وحصناً.

السابق
لقمان سليم… اغتيال اسم أم اغتيال نهج؟
التالي
الجيش اللبناني: ضبط سلاح متوسط وملاحقة مطلوبين في منطقة القصر – الهرمل