«العين الثانية»: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي في الإمارات.. إنسانيًا

UAE AI Health System (AI Generated)

في صباحٍ اعتيادي داخل دبي، لا تبدأ القصة بصالة مؤتمرات ولا بعرض تقني لامع، بل بموعدٍ بسيط يمرّ عادة بصمت: فحصٌ روتيني للكشف المبكر عن سرطان الثدي. هنا قررت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية أن تُغيّر «مكان» الفحص قبل أن تُغيّر «أدواته». أن يقترب الفحص من الناس، لا أن ينتظر الناس حتى يقتربوا منه.

«عين ثانية» لا تستبدل الطبيب

في «آراب هيلث 2025»، أُعلن عن برنامج فحص مدعوم بالذكاء الاصطناعي موجّه للمعلمات، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم. 

الذكاء الاصطناعي في هذه القصة ليس بديلاً عن الطبيب. هو «عين ثانية» تُساعد على قراءة تصوير الثدي الشعاعي (الماموغرام) بدقة أكبر وسرعة أعلى. يراجع الصور، يبرز إشارات دقيقة تستحق الانتباه، ثم يترك الحكم النهائي للطبيب.

هكذا تصبح التقنية مفهومة للناس: ليست آلة تُصدر قراراً، بل أداة تُساعد الإنسان على أن يرى أسرع وأوضح… عندما يكون الوقت فارقاً حقيقياً.

أبوظبي: التوسّع على نطاق شبكي

ثم تأتي مرحلة «المدى الواسع». في أبوظبي، أُعلن عن عقد متعدد السنوات لنشر حلول تحليل الماموغرام بالذكاء الاصطناعي عبر شبكة صحة (SEHA)، بالشراكة مع شركة لونيت (Lunit). هذا النوع من العقود يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد في خانة «التجربة»، بل دخل إلى قلب العمل التشغيلي نفسه: حجم أكبر، مسارات أكثر، وهدف واضح هو رفع فرص الكشف المبكر عبر نطاق واسع.

وتزداد دلالة هذا المسار عندما نعرف أن الشبكة جزء من مجموعة بيورهيلث (PureHealth) الإماراتية الضخمة، أي أنه توسّع مؤسسي طويل النفس، لا مبادرة عابرة.

لماذا لا يكفي الذكاء وحده؟ لأن الصحة لا تحتمل التخمين

كلما اقتربت التقنية من القرارات الحساسة، يصبح سؤال الثقة أهم من سؤال السرعة. لهذا وضعت دائرة الصحة – أبوظبي معيار «الذكاء الاصطناعي المسؤول» في الرعاية الصحية: إطار يحدد ما الذي يجب أن يحدث قبل التطوير أو الشراء أو التشغيل، وكيف تُدار المسؤوليات، وكيف تُقاس المخاطر، وكيف تُراقَب الأنظمة باستمرار.

الفكرة بسيطة لكنها حاسمة: المخاطر لا تظهر فقط يوم الإطلاق. قد تظهر لاحقاً، عندما تتغير البيانات أو السياق أو طريقة الاستخدام. لذلك تصبح المراجعة الدائمة جزءاً من معنى «المسؤولية»، لا تفصيلاً ثانوياً.

ماذا تقول الدراسات العالمية عن فكرة «العين الثانية»؟

هذه القصة ليست محلية فقط، هي امتداد لمسار عالمي يرى في الذكاء الاصطناعي «دعماً» لقراءة الصور الطبية، لا «حكماً» بديلاً. 

دراسات منشورة في مجلة «ذا لانسيت» الطبية الشهيرة تناولت دور الذكاء الاصطناعي في دعم فحوص الماموغرام ضمن برامج واسعة، مع التأكيد على مركزية القرار الطبي البشري.

 كما أن أبحاثاً منشورة في «ساينتيفيك ريبورتس» تشير إلى أن قبول المجتمع وثقته ووضوح السياسات عوامل لا تقل أهمية عن جودة الخوارزمية نفسها.

من التقنية إلى المعنى: لماذا تبدو القصة مُلهمة؟

 لأنها لا تتحدث عن «آلة»، بل عن «وقت». عن تقليل مساحة الانتظار. عن تحويل الفحص من حدث مؤجل إلى خطوة طبيعية. عن ابتكارٍ حين يقترب من الناس، يصبح أكثر تواضعاً وأكثر فائدة. 

هذه ليست قصة ذكاء اصطناعي فحسب. هذه قصة دولة تحاول أن تجعل التقنية تمر أولاً من بوابة الإنسان: الوقاية قبل الطوارئ، والسرعة، لكن مع الثقة.

السابق
عن ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة العراقيّة!
التالي
حزب الله ينفي اتهامات دمشق: لا وجود لنا في سوريا!