ثالث جلسات الموازنة: هل ينجح بري في تهريب الإقرار وسط حصار الخيام والأسلاك الشائكة؟

يستأنف مجلس النواب اللبناني، برئاسة الرئيس نبيه بري، جلساته الماراثونية المخصصة لمناقشة مشروع موازنة عام 2026، في محاولة لفك شيفرة الأرقام التي وُصفت بـ”موازنة الضرورة”، وسط حصار ميداني وسياسي غير مسبوق يضع البلاد أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الاستمرار كـ”دولة مأزومة” تبحث عن رئة للتنفس.

المشهد الميداني: طوق أمني وخيام في قلب بيروت

منذ ساعات الصباح الأولى، تحول وسط بيروت إلى ثكنة عسكرية محصنة؛ حيث أحكم الجيش اللبناني انتشاره في كافة الطرق المؤدية إلى ساحة النجمة، لتأمين ممر آمن للنواب وسط سلسلة من الاعتصامات الغاضبة. المحتجون الذين نصبوا خيامهم في المحيط، عبروا عن رفضهم القاطع لمشروع الموازنة الذي يرون فيه إمعاناً في تحميل الفئات الشعبية والعسكريين المتقاعدين وزر الانهيار، في وقت يغيب فيه القرار الإصلاحي الحاسم.

داخل القاعة: “هدوء الشكل” وعمق “المأزق السياسي”

خلافاً للأجواء الصاخبة التي طبعت انطلاقة المناقشات يوم الثلاثاء، خيّمت على الجلسة المسائية نبرة اتسمت بـ”الهدوء النسبي” في الشكل، لكنها كانت محقونة بالرسائل السياسية في المضمون. وقد سادت القاعة عبارات تعكس محاولات استيعاب التوتر مثل “سمعتلك سمعلي” و”روّق”، بينما وصفت النقاشات العقيمة حول الأرقام والإصلاحات بـ”جدل البيضة والدجاجة”.

إقرأ أيضا: من «شريك القرار» إلى «جسم غريب»: قصة العزلة التي خنقت الضاحية!

إلا أن هذا الهدوء الشكلي سرعان ما تبدد عندما تشعب النقاش ليطال الملفات “المحرمة”، وأبرزها:

  • قرار الحرب والسلم: من يملك فعلياً قرار جر البلاد إلى مواجهات كبرى؟ وما هو ثمن ربط لبنان بساحات إقليمية لا تخدم ميزانيته المنهكة؟
  • سلاح حزب الله: الذي حضر بقوة في مداخلات النواب كعائق أمام بسط سلطة الدولة الكاملة وتحقيق الاستقرار المالي المطلوب لجذب الاستثمارات.

دولة في “غرفة العناية المركزة”

عكست مداخلات النواب حجم الانقسام والمأزق؛ حيث أجمع المتحدثون على وصف لبنان بـ”الدولة المأزومة” التي تعيش حالة إنكار سياسي. وانصبت الانتقادات على أن الموازنة الحالية تفتقر إلى أي رؤية اقتصادية، وتكتفي بتنظيم العجز ومحاولة “ترقيع” الثقوب المالية في ظل غياب أي خطة تعافٍ حقيقية أو قرار سياسي ببدء الإصلاح الهيكلي.

وبين احتمالات “حجب الثقة” عن موازنة لا تلبي طموحات المانحين ولا أوجاع اللبنانيين، وبين ضغط الحاجة لإقرارها لتسيير مرافق الدولة، يجد البرلمان نفسه أمام معضلة وجودية: كيف يمكن إقرار موازنة لدولة لا تملك قرار سيادتها الكامل، ولا تسيطر على كافة مواردها؟

موازنة “مرور الزمن”

وتستمر الجلسات اليوم وسط ترقب لما ستؤول إليه النقاشات، في ظل خشية من أن تنتهي هذه الماراثونات البرلمانية إلى موازنة “أمر واقع” لا تعالج أصل الأزمة، بل ترحّلها إلى العام المقبل، بينما يظل “الشارع” هو البوصلة الحقيقية لمسار الغضب الشعبي الذي لم يعد يكتفي بالوعود والإجراءات الترقيعية.

السابق
أوروبا تُحكم الخناق على «الحرس الثوري»: عقوبات غير مسبوقة على طاولة بروكسيل ودعم فرنسي يحسم الجدل
التالي
هزة أرضية قبالة ساحل الدامور تثير القلق.. نشاط زلزالي خفيف لكنه مستمر في لبنان