بين مرسوم الانتخابات وموازنة الانهيار: السلطة تفتح صناديق الاقتراع والشارع يفتح جراحه

في مشهد سياسي كثيف الدلالات، خطت الدولة اللبنانية، ولو شكليًا، خطوة دستورية إلى الأمام، فيما كانت تتراجع اجتماعيًا خطوة إضافية نحو حافة الانفجار. توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة من جهة، واشتداد المواجهات في محيط مجلس النواب خلال مناقشة موازنة 2026 من جهة أخرى، عكسا صورة بلد يسير على سكتين متوازيتين: انتظام دستوري هش، وانهيار اجتماعي مفتوح.

مرسوم الانتخابات: قطع الطريق على «التأجيل المقنّع»

صباح الخميس، وقّع وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لإجراء الانتخابات النيابية في 3 أيار 2026، في خطوة إجرائية وُصفت بأنها مفصلية، خصوصًا أنها جاءت في توقيت حساس كانت فيه بعض الكتل النيابية تُمهّد لما سمّي «تأجيلاً تقنيًا» للاستحقاق.

المرسوم، المنتظر نشره في الجريدة الرسمية خلال 48 ساعة، لا يحمل فقط طابعًا إداريًا، بل يُقرأ سياسيًا كرسالة مباشرة مفادها أن السلطة التنفيذية قررت الالتزام بالمهل الدستورية، وإقفال الباب أمام محاولات التمديد التي لطالما شكّلت «خشبة خلاص» للطبقة السياسية عند كل استحقاق.

موازنة 2026: دولة بلا رؤية وشارع بلا صبر

في المقابل، كان مجلس النواب يستأنف جلساته الماراثونية لمناقشة مشروع موازنة وُصفت بـ«موازنة الضرورة»، وسط أجواء سياسية وميدانية مشحونة. فالأرقام المطروحة لم تحمل أي رؤية اقتصادية واضحة، بل اكتفت بإدارة العجز وترحيل الأزمة، في وقت يغيب فيه أي أفق لخطة تعافٍ أو إصلاح بنيوي حقيقي.

نواب كُثُر وصفوا الدولة بأنها في حالة «إنكار سياسي»، فيما بدت الموازنة أقرب إلى محاولة إبقاء الأجهزة قائمة بالحد الأدنى، لا إلى مشروع إنقاذي يعيد الثقة أو يفتح باب الدعم الخارجي.

الشارع يقتحم المشهد: دماء الأساتذة أمام البرلمان

التوتر بلغ ذروته خارج القاعة العامة، حيث تحوّل محيط مجلس النواب إلى ساحة مواجهة مفتوحة. أساتذة التعليم الرسمي، موظفو الإدارة العامة، والعسكريون المتقاعدون، حاولوا كسر الطوق الأمني تعبيرًا عن رفضهم موازنة يعتبرونها مجحفة بحقهم.

الاشتباكات أسفرت عن إصابات عدة، أبرزها إصابة معلمة نُقلت إلى المستشفى بعد ضربة مباشرة على الرأس، ما فجّر موجة غضب عارمة، وطرح علامات استفهام خطيرة حول تعامل الدولة مع من تبقّى من ركائزها الاجتماعية.

نواب في الشارع… ورسائل إلى الداخل

في مشهد غير مألوف، خرج النائبان إلياس بو صعب وياسين ياسين من القاعة العامة لمخاطبة المعتصمين. بو صعب رفع سقف الموقف قائلاً إن «حقوق الأساتذة أهم من الموازنة نفسها»، متعهدًا بعدم تمريرها إن لم تُلبَّ المطالب، فيما شدد ياسين ياسين على أن أي تصويت إيجابي مشروط بتحقيق العدالة الاجتماعية وتصحيح الرواتب بما يتناسب مع التضخم.

هذه الخطوة، وإن حملت بعدًا تضامنيًا، عكست في الوقت نفسه عمق المأزق النيابي: برلمان عالق بين ضغط الشارع، وحاجة الدولة إلى موازنة، وعجز سياسي عن اتخاذ قرارات سيادية حاسمة.

بين مرسوم يفتح الباب نظريًا أمام تجديد السلطة، وموازنة تُكرّس واقع الانهيار، يبدو لبنان أمام مفترق خطير. فالانتخابات قد تكون موعدًا للمحاسبة، لكن الشارع، الغاضب والجائع، لا يبدو مستعدًا لانتظار صناديق الاقتراع، فيما تستمر السلطة في إدارة الأزمة بدل مواجهتها.

السابق
توقيف مشتبه بالتعامل مع إسرائيل في أنصار… مداهمات ومصادرة أجهزة إلكترونية
التالي
انفجار غضب في محيط البرلمان: المتقاعدون العسكريون يقتحمون ساحة النجمة