لسنا أمام أزمة عابرة، ولا نعيش تعبًا مؤقتًا يمكن تجاوزه بخطاب تحفيزي أو وصفة اقتصادية. ما نمرّ به أعمق من ذلك بكثير. نحن في قلب اضطراب إنساني شامل، لا يُقاس فقط بعدد الحروب أو حجم الخسائر، بل بدرجة ما خسر الإنسان علاقته بنفسه وبضميره.
العالم اليوم يعيش بوجهين. خطاب أخلاقي في العلن، وسلوك يومي قائم على التبرير، التكيّف، واللامبالاة. النفاق لم يعد حالة طارئة، بل صار نمط حياة، وآلية دفاع نفسي في مواجهة عالم قاسٍ وسريع ومربك. نُدين الظلم بالكلام، ثم نبرّره بالفعل. نغضب للحظة، ثم نتابع حياتنا كأن شيئًا لم يكن.
التعب الذي ينهش الناس اليوم ليس ماديًا فقط، بل نفسي ووجودي. قلق دائم، سرعة خانقة، خوف مبهم من المستقبل. حتى أولئك الذين “يبدون بخير” يعيشون داخليًا هشاشة صامتة. فقدان معنى، فراغ لا يُقال، وإحساس عام بأن الحياة تجري أسرع من قدرتنا على الفهم أو الإمساك بها.
المشكلة ليست في الحروب وحدها، ولا في الأزمات الاقتصادية بمعزل عنها. المشكلة الأعمق أننا بدأنا نبرّر القسوة، ونتعايش مع الظلم، ونستهلك المآسي كما نستهلك الأخبار: بلا إحساس حقيقي. تتّسع الفجوة يومًا بعد يوم بين الإنسان وضميره، بين ما نعرف أنه خطأ وما نقبله لأن “الواقع هكذا”.
الخوف صار العنوان العريض لهذه المرحلة: خوف من الاقتصاد، من المناخ، من التكنولوجيا، من فقدان العمل، ومن ضياع الهوية نفسها. كل شيء يتغير بسرعة أكبر من قدرة البشر على الاستيعاب. هذا الخوف لا يمرّ بلا ثمن؛ إمّا يدفع الناس إلى الانغلاق، أو إلى التطرّف، أو إلى قسوة باردة تُسمّى زورًا “واقعية”.
المفارقة أننا نعيش في زمن فائض المعلومات، لكن بندرة الحكمة. آراء لا تنتهي، تحليلات، منصات، أصوات عالية، بينما الصوت العاقل يضيع أو يُتّهم بالضعف. الصراخ يغلب التفكير، والانفعال ينتصر على التأمل.
وسط هذا المشهد، لم يعد السؤال الحقيقي: ماذا يحدث للعالم؟ بل: أين نحن مما يحدث؟
لسنا ضحايا هذا العالم فقط، نحن شركاء صامتون فيه. نشارك حين نبرّر، حين نصمت، حين نعتاد، وحين نقنع أنفسنا أن القسوة “ضرورة” وأن الظلم “أقلّ الشرور”. أخطر ما في هذا الزمن أنه لا يطلب منّا أن نكون أشرارًا؛ يكفي أن نكون متفرجين.
الانهيار الحقيقي لا يُقاس بسقوط الدول ولا بانهيار العملات، بل بلحظة صغيرة داخل كل واحد منا، حين نعرف أن شيئًا ما خطأ… ونقرّر أن نكمل يومنا كأن المعرفة وحدها تبرئة.
السؤال لم يعد أخلاقيًا ولا فكريًا فقط، بل وجوديًا بامتياز:
في هذا العالم المرهق، هل ما زلنا نملك شجاعة الانحياز للإنسان؟ أم أننا اخترنا، بهدوء، أن ننجو بلا ضمير؟

