سُحبت القوات الكردية من منطقتين في حلب في 11 يناير/كانون الثاني 2025، تحت ضغط الولايات المتحدة، وفقًا لما أفادت به وسائل إعلام عربية. وكان تحالف قوات سوريا الديمقراطية، الذي يمثل مصالح الأقلية الكردية، يخشى أن تدفع واشنطن قواته للتخلي عن آخر معاقلها في شمال شرق سوريا، وهي مناطق غنية بالنفط. واعتقدت قوات سوريا الديمقراطية أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تسعى إلى مكافأة القيادة السورية على تقاربها مع إسرائيل.
وذكرت صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية أن الانسحاب جاء بناءً على تعليمات من القيادة المركزية الأمريكية. وأفاد أحد المصادر قائلاً: “أخشى أن تطلب القيادة المركزية الأمريكية انسحابات من مدن أخرى”. بدأت وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) تشعر بأنها قد استنفدت كافة إمكانياتها الدبلوماسية والعسكرية، وقلق القادة الأكراد من فقدان معقلهم الرئيسي في شمال شرق سوريا.
وتشير صحيفة “نيزافيسمايا غازيتا” الروسية إلى أن ترامب مستعد “للتضحية” بوحدات حماية الشعب الكردية، خاصةً بعد أن وافقت الحكومة السورية الانتقالية على التقارب مع إسرائيل. ففي السادس من يناير/كانون الثاني، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن سوريا وإسرائيل اتفقتا على آلية لتنسيق التعاون في مجالات الأمن والتجارة وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وقالت الوزارة في بيان لها: “ترحب الولايات المتحدة بهذه الخطوات الإيجابية وتظل ملتزمة بتنفيذ هذه الاتفاقات كجزء من جهود أوسع لتحقيق سلام دائم”.
ما جرى في حلب يؤكد أن التحالفات المؤقتة تُبنى على المصالح لا على الوعود، وأن من يراهن على الحماية الخارجية قد يستيقظ يومًا بلا غطاء
التصعيد في حلب: تبادل ضربات بين القوات الحكومية والكردية
بلغ الوضع في حلب ذروته في اليوم نفسه الذي تم فيه الاتفاق بين سوريا وإسرائيل على آلية التنسيق، حيث اتهمت القوات المسلحة السورية مقاتلين أكراداً بشن هجوم بطائرات مسيّرة مسلحة أسفر عن مقتل جندي سوري. ونتيجة لذلك، شنّ الجيش الحكومي غارات انتقامية على مواقع قوات سوريا الديمقراطية في منطقة الشيخ مقصود ذات الأغلبية الكردية. تصاعدت المواجهات إلى تبادل الضربات، وفي 9 يناير/كانون الثاني، أعلن الجيش السوري عن بدء عملية واسعة النطاق لتطهير المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في حلب.
ووصفت وسائل الإعلام الغربية الاشتباكات بين الجيش السوري والقوات الكردية بأنها واحدة من أكبر جولات الصراع منذ تغيير السلطة في سوريا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي شهد فرار الرئيس السابق بشار الأسد وحاشيته. وكان من المفترض أن تُكمل قوات سوريا الديمقراطية عملية دمج قواتها في مؤسسات الدولة السورية بحلول نهاية عام 2025، ولكن العملية لم تُستكمل بسبب انعدام الثقة بين الطرفين.
الانسحاب من حلب: سيطرة حكومية وانتقادات من الأكراد
مع نهاية نزاع يناير، سيطرت القوات الموالية للحكومة السورية على منطقتي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، اللتين كانتا تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2012. جاء تسليم هذه المناطق بعد أن ألقت قوات سوريا الديمقراطية أسلحتها ووافقت على الانسحاب إلى شرق سوريا عبر “الممرات الخضراء” التي فُتحت لها. وتقدّر دمشق أن أكثر من 400 مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية غادروا المنطقة. لكن قوات الأمن الداخلي الكردية مُنعت من المغادرة، وتم اعتقال العديد منهم. كما شكا القادة الأكراد من عمليات تطهير نفذتها ميليشيات قريبة من دمشق.
التغيير الأمريكي بعد تولي أحمد الشرعاء
في الوقت ذاته، بدأت القنوات التلفزيونية الأمريكية بالإشارة إلى احتمال سحب الولايات المتحدة لقواتها من سوريا بعد تنصيب ترامب في عام 2025. ومع ذلك، فإن تغير القيادة في دمشق مع تولي أحمد الشرع، القائد الميداني السابق، زمام الأمور، غيّر الموقف الأمريكي بشكل كبير. فقد انضمت سوريا تحت قيادة الشرع إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، والذي يشن حربًا ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). كما قامت دمشق بزيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن في إطار عمليات مشتركة ضد فلول داعش في سوريا.
انسحاب قسد كشف أن مرحلة ما بعد دونالد ترامب لا تشبه ما قبلها، وأن واشنطن مستعدة للتخلي عن أدواتها حين تتغير أولوياتها
قوات سوريا الديمقراطية تفقد مكانتها السياسية
نتيجة لهذه التحولات، فقدت القوات الكردية، التي كانت الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الحرب ضد داعش، مكانتها السياسية في سوريا. وأعربت مصادر في صحيفة “ذا ناشيونال” عن أسفها، حيث قالت: “تدرك قوات سوريا الديمقراطية أنه بدون الدعم الأمريكي، سيكون الدفاع عن أراضيها عبثًا”.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا لم تفهم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أن دورها قد انتهى مع بزوغ شمس الدولة السورية، التي لن تسمح بإقامة دويلات على أرضها؟ فالعالم لم يقدم أي فرص لها أو لغيرها من أجل التقسيم. هل بات دور قسد يتلاشى؟
فالرسالة في حلب كانت واضحة: بسط نفوذ الدولة المركزية على أراضيها. فهل اضاعت قسد الفرصة لتنفيذ بنود اتفاق 10 آذار مع الدولة السورية، الذي كان من الممكن أن يعيدها إلى نطاق النظام السوري بشكل يضمن لها مستقبلاً داخل الدولة؟

