بين الشارع المشتعل والتهديد الأميركي المباشر.. إيران تدخل أخطر أسبوع في تاريخ نظام خامنئي

ايران
على الأرض الإيرانية، لم تعد الاحتجاجات مجرّد موجة غضب اجتماعي،اتساعها الجغرافي، تكرارها اليومي، جرأتها في الاقتراب من مراكز السلطة، وسقوط القتلى رغم القبضة الحديدية، كلها مؤشرات على أن معادلة الخوف التي حكمت لعقود بدأت تفقد فعاليتها.

في السياسة، أخطر اللحظات ليست تلك التي تعجّ بالتصريحات، بل تلك التي تتغيّر فيها نبرة الصمت.

حين تتوقف لغة الاحتواء، وتُسحب قنوات التفاوض، ويُخاطَب الشارع فوق رأس السلطة، نكون أمام انتقال محسوب من إدارة أزمة إلى فرض نهاية،فما يحدث حول إيران اليوم لا يشبه ما سبقه، لأن التزامن بين الداخل الملتهب والخارج المتشدد لم يعد قابلًا للفصل أو التأجيل.

على الأرض الإيرانية، لم تعد الاحتجاجات مجرّد موجة غضب اجتماعي،اتساعها الجغرافي، تكرارها اليومي، جرأتها في الاقتراب من مراكز السلطة، وسقوط القتلى رغم القبضة الحديدية، كلها مؤشرات على أن معادلة الخوف التي حكمت لعقود بدأت تفقد فعاليتها.

الردّ الرسمي الإيراني، الذي تراوح بين الإنكار والتأكيد على (السيطرة الكاملة) كشف أكثر مما أخفى،فالإصرار على الطمأنة في لحظات الانفجار ليس دليل ثقة، بل علامة قلق من انهيار السردية.

حين تتوقف لغة الاحتواء، وتُسحب قنوات التفاوض، ويُخاطَب الشارع فوق رأس السلطة، نكون أمام انتقال محسوب من إدارة أزمة إلى فرض نهاية،فما يحدث حول إيران اليوم لا يشبه ما سبقه، لأن التزامن بين الداخل الملتهب والخارج المتشدد لم يعد قابلًا للفصل أو التأجيل

في اللحظة نفسها تقريبًا، جاء التحول الأميركي الحاسم،تصريحات ترامب لم تكن عامة ولا تقليدية، بل مصاغة لتكسر الشكل الكلاسيكي للصراع، ودعوته للإيرانيين  بالاستمرار والسيطرة على مؤسساتهم، إلى حفظ أسماء القتلة، ترافقت مع إلغاء كامل لأي تواصل مع المسؤولين الإيرانيين إلى أن يتوقف القمع.

هذا التزامن لم يكن عفويًا، بل رسالة سياسية واضحة مفادها ان الشرعية لم تعد مُعترفًا بها، والنظام لم يعد الطرف الوحيد الذي تُخاطَب باسمه الدولة.

إقرأ أيضا: إيران ونهاية الإسلام السياسي الشيعي

هنا بدأ المشهد يتغيّر فعليًا، فإيران ردّت بخطاب استعداد شامل وتهديد مفتوح، محاولةً رفع منسوب الردع وإعادة رسم الخطوط الحمراء،لكنها، في الوقت ذاته، شددت قبضتها على الداخل ورفعت جهوزيتها الدفاعية، في اعتراف ضمني بأن الخطر لم يعد خارجيًا فقط.

النظام وجد نفسه أمام مأزق مزدوج ،شارع لا يمكن احتواؤه بسهولة، وضغط دولي لم يعد يقبل إدارة الوقت.

في المقابل، تحرّكت واشنطن بهدوء محسوب،لا إعلان حرب، ولا تهديدات مباشرة، بل تغيير متدرّج في السلوك،تجميد دبلوماسي، تشديد اقتصادي، ورفع سقف الخطاب السياسي إلى مستوى يخاطب مستقبل الحكم لا سلوكه.

النظام وجد نفسه أمام مأزق مزدوج ،شارع لا يمكن احتواؤه بسهولة، وضغط دولي لم يعد يقبل إدارة الوقت

في لغة الدول الكبرى، هذا يعني أن مرحلة (تغيير التصرف) انتهت، وبدأ التفكير الجدي في تغيير الواقع.

المرحلة المقبلة، كما تتشكل ملامحها، لن تبدأ بضجيج، بل بخطوة نوعية تُربك التوازن. إن وقع التحرك، فلن يكون واسعًا ولا عشوائيًا، بل موجهًا لكسر الإحساس بالسيطرة وإظهار أن مفاصل القرار لم تعد محصنة.

في مثل هذه اللحظات، لا تحتاج الأنظمة القائمة بالقوة إلى هزيمة عسكرية كي تبدأ بالتفكك،يكفي أن تشعر بأن قدرتها على فرض الطاعة لم تعد مطلقة.

النظام الإيراني يدرك هذه الحقيقة، ولهذا تبدو تهديداته أكبر من أفعاله المحتملة،فالردّ المفتوح قد يمنحه لحظة صخب، لكنه يهدد ما تبقى من تماسك داخلي، ويحوّل الغضب الشعبي إلى اتهام مباشر له بجرّ البلاد إلى الهاوية.

أما الصمت، فيعني الإقرار بالعجز،وبين خيارين كلاهما مكلف، يحاول النظام شراء الوقت، غير أن الوقت، هذه المرة، لا يعمل لصالحه.

إقرأ أيضا: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: ولاية الفقيه: من الأهداف إلى الأحلام إلى الأوهام.. ثم الخرافات

الأخطر أن ما بعد هذه المرحلة لن يكون عودة إلى الوراء مهما كانت النتائج المباشرة. الشارع الذي سمع خطاب السيطرة لن ينساه، والمؤسسات التي شعرت بأن الغطاء السياسي الخارجي قد رُفع عنها لن تعود إلى الطاعة الصامتة بسهولة.

في مثل هذه اللحظات، لا تحتاج الأنظمة القائمة بالقوة إلى هزيمة عسكرية كي تبدأ بالتفكك،يكفي أن تشعر بأن قدرتها على فرض الطاعة لم تعد مطلقة

الانقسام الذي كان مكتومًا داخل بنية السلطة سيطفو تدريجيًا، لا عبر انشقاقات صاخبة، بل عبر تردد، وتآكل، وانسحاب بطيء من خط المواجهة.

الخلاصة التي تتبلور الآن أن إيران دخلت مسارًا لا تُحسم فيه الأمور بالبيانات ولا بالوعود،فتلاقي الشارع الغاضب مع قرار أميركي برفع الغطاء خلق لحظة نادرة تُدفَع فيها الأنظمة إلى نهاياتها لا دفعة واحدة، بل عبر تراكم محسوب يسبق الانفجار.

عندما تصل القوى الكبرى إلى قناعة أن الإبقاء على الوضع القائم أخطر من تغييره، فإن العدّ يبدأ دون إعلان… وغالبًا ما ينتهي دون إنذار.

السابق
مجلس القضاء الأعلى يصدر تقريره عن القضاء العدلي في لبنان 2019 – 2024
التالي
استهداف جديد لمواقع «اليونيفيل»: والبعثة الدولية تُحذر من تقويض القرار 1701