أعادَ «اختطافُ» الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أو «اعتقالُه» على روايةٍ أخرى، النقاش حول موقع أميركا من العالَم وموقع العالَم من أميركا. وأعادَ، بالقدر نفسه، السؤالَ حول دور «المجتمع الدولي» في تنظيم شؤون العالَم عبر مؤسساتِه وهيئاتِه المختلفة المعنية بتنظيم العلاقات بين الدول، أو بوضع الأطر النظرية والقانونية لهذه العلاقات.
وبعيدًا عن المقاربة القانونية، لم يكشف الحدثُ واقعًا جديدًا، وإنما قدَّمَ ما يمكن اعتبارُه «update» لواقعٍ بدأ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. أو بالأحرى، إن هذا الحدث هو إعلانٌ رسميٌّ للعالَم كلِّه بأن أميركا هي «سلطان» هذا العالَم بعد أن كانت أحد سلطانَيْه.
ترامب وصراحة الهيمنة الأميركية
ولعلَّ الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، هو الرئيسُ الأكثرُ وضوحًا في التعبير عن الصورة الحقيقية لأميركا، سواء في مقارباته للقضايا أو في خطابه وسلوكه تجاه دول العالَم ورؤساء هذه الدول. وهو أيضًا الرئيسُ الأكثرُ جدِّيَّةً، وربما قدرةً، على ممارسة سلطانيَّته هذه، مؤكدًا مرةً أخرى أن العالَم محكومٌ بمعيار «القوة والضعف» لا بمعيار «الحق والباطل» ولا القانون؛ وأن «العدالة» هي ما تحكم به «القوة» لا ما يحكم به «الحق»!
وهذه هي أزمةُ العالَم التي تتجدَّد باستمرار، وتعيد، بعد كل حقبةٍ، صياغة نفسها من جهة، ورسم معالم الحقبة المقبلة من جهة أخرى.
من «البيعة» إلى «الطاعة»
إعلانُ تنصيبِ أميركا نفسها كـ «سلطان» على العالَم يعني أن الخطوة التالية ليست طلب «البيعة»، وإنما طلب «الطاعة»، أو فرضها على وجه الدقة. ويبدو أن السلطان الأميركي قرر نزع عمامة معاوية بن أبي سفيان عن رأسه ووضع عمامة الحجاج بن يوسف الثقفي بدلًا منها.
ولا يبدو، إلى الآن، أن العالَم معنيٌّ بإعلانٍ مضادٍّ للإعلان الأميركي بقدر ما أن الدول تسعى إلى تحقيق «البيعة» بدلًا من «الطاعة».
اعتقال الرؤساء: الحدث ليس جديدًا… الدلالات هي الجديدة
ليس جديدًا على أميركا إسقاط أنظمة الدول «المارقة» وتغييرها، سواء عبر تدخلٍ مباشر أو عبر آلية «رفع الغطاء»؛ وليس جديدًا «اعتقال» رؤساء دول ومحاكمتهم. الحدثُ ليس جديدًا، إنما الجديد هو دلالاتُ هذا الحدث ورسائلُه، وما سيتلوه من أحداث مشابهة قد تختلف في شكلها فقط.
ويبدو أن الرئيس الأميركي لم يرتكب ذنبًا بفعله بقدر ما أنه سنَّ لنفسه سنَّةً كملك سليمان؛ لا تنبغي لأحدٍ بعده.
إعلانُ تنصيبِ أميركا نفسها كـ «سلطان» على العالَم يعني أن الخطوة التالية ليست طلب «البيعة»، وإنما طلب «الطاعة»، أو فرضها على وجه الدقة
توقيت اعتقال مادورو ورسائله السياسية
اللافتُ والمثيرُ في «اعتقال» مادورو هو أنه جاء بعد حوالي 12 ساعة على اجتماعه مع وفدٍ صينيٍّ رفيع المستوى في كراكاس ناقش، بحسب ما ذكره الإعلام، سبل التعاون الاقتصادي والسياسي، وتحديدًا في مجال الطاقة.
الأمر الثاني هو أن «الاعتقال» جرى في الذكرى السنوية السادسة لاغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني عام 2020. وإذا كان ترامب أمر بقتل سليماني في الربع الأخير من ولايته الأولى، فإن أمر اعتقال مادورو جاء في الربع الأول من ولايته الحالية، ما يعني أن الحادثة تعبِّر عن ملامح سياسة أميركا في الفترة المتبقية من ولايته، بعكس اغتيال سليماني الذي كان تتويجًا لولايته الأولى.
ذهنية ترامب: الضربة السريعة والاستعراض المحسوب
في الواقع، إن هذه الضربات السريعة والمفاجئة من جهة، والحاسمة من جهة ثانية، و«الاستعراضية» من جهة ثالثة، تعبِّر عن ذهنية ترامب التي يتعاطى بها مع القضايا. وهي ذهنية مركبة: تجمع بين رجل الأعمال الذي يبحث عن ربحٍ أكبر بتكاليف أقل، وذهنية التاجر الذي يرى في العالَم بازارًا كبيرًا، كل شيءٍ فيه قابلٌ للتفاوض، وكل قضيةٍ فيه مناسبةٌ لإظهار قوة «بضاعته» وقدرتها على منافسة «البضائع» الأخرى.
وهو أيضًا رجل الأعمال في حلبات المصارعة الحرة الشهيرة WWE، التي لم يكن ترامب مصارعًا فيها، بل كان مستثمرًا لـ «صراعات» الآخرين ومنظمًا لحفلات القتال، مع لقطةٍ شهيرةٍ له حين وجَّه ضربةً خاطفةً لنظيره فينس مكمان.
من هنا نرى أن توجه ترامب دائمًا يتخذ منحى الضربة السريعة الحاسمة ذات الكلفة الأقل والأثر الكبير؛ نرى هذا في اغتيال سليماني، وضرب المنشآت النووية الإيرانية، والآن في اعتقال مادورو، حيث لا حاجة إلى حربٍ وتكاليف كما في العراق وأفغانستان، وهو ما أشار إليه ترامب حين أكد أن «اعتقال» مادورو لم يكلِّف خسائر من الجنود ولا الآليات.
الشرق الأوسط والصفقات… والسلام الاستعراضي
ونرى هذا أيضًا في إدارة ترامب للحرب الإسرائيلية في «الشرق الأوسط» من جهة، وعقد الصفقات الاقتصادية الضخمة مع دول الخليج من جهة أخرى، إضافةً إلى الجانب «الاستعراضي» الذي نراه في حديث ترامب الدائم عن «إنجازات» السلام و«إنهاء» الحروب، بغض النظر إن كان ثمّة مناسبة لهذا الحديث أو لا.
ورغم هذا، يتفرَّد ترامب في رؤية قد تبدو غريبة، لكنها تثبت صدقها عند كل استحقاق: لا يبني ترامب رؤيته على مبدأ أن رأس المال جبان ويبحث عن «الأمان»، بل على مبدأ أن رأس المال يجب أن يترافق مع قوة تخلق له هذا «الأمان» وتحافظ عليه.
توجه ترامب دائمًا يتخذ منحى الضربة السريعة الحاسمة ذات الكلفة الأقل والأثر الكبير؛ نرى هذا في اغتيال سليماني، وضرب المنشآت النووية الإيرانية، والآن في اعتقال مادورو
ذروة أزمة النظام العالمي
يجوز القول إن الولايات المتحدة، مع ترامب، وصلت وأوصلت العالَم معها إلى ذروة الأزمة البنيوية في النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت نفسه دخلت وأدخلت العالَم في مرحلة إعادة تشكيلٍ للنظام العالمي، بصورةٍ يبدو فيها أن موقع أميركا في العالَم لن يتبدل، بل سيترسخ أكثر.
فمن جهة، لم تزل أميركا في موقع القطب الأوحد في العالَم، في حين لم تزل نظرية «تعدد الأقطاب» غير قادرة على إثبات قابلية لأن تتحقق في الوقت الراهن.
الصين… الشريك المؤجَّل في القطبية
ولا شك أن المعني الأول، وربما الأوحد، بمشاركة أميركا قطبيتها هي الصين، التي لم تزل إلى الآن تواجه أميركا من خلال دعم «حلفائها» في وجه حلفاء أميركا، وتتجنب صراعًا مباشرًا معها، كما تتجنب أميركا بدورها صراعًا مباشرًا معها.
وما يؤكد أن أميركا لم تزل القوة الأعظم في العالَم هو أنه ليس بين «المرشحين» المفترضين لمشاركة أميركا في قطبيتها من يدعم خصمًا أو عدوًّا لها حين تقرر الحسم. وهذا ما ظهر في اختطاف الرئيس الفنزويلي، وما قد يظهر في عمليات أخرى قد تقوم بها أميركا.
وفي حين أن أميركا حسمت معركتها الأولى في أميركا اللاتينية، يبقى السؤال قائمًا ومشروعًا عن قدرة أو نية الصين على حسمٍ مماثل في تايوان، كما أن التدخل الأميركي المباشر إلى جانب الحليف «الإسرائيلي» يُقابله تساؤل عن غياب تدخلٍ مماثل للصين إلى جانب «حلفائها» المفترضين.
أميركا «دماغ» العالم لا «قلبه»
من جهة ثانية، إن موقع أميركا الذي سيترسخ أكثر هو أنها «دماغ» العالَم لا «قلبه». ومبرر وصف أميركا بدماغ العالَم ذو شقَّين: الأول أن أدنى تغيير في بنية النظام العالمي يبدأ من أميركا، تمامًا كما تبدأ حركة اليد برسالة عصبية تنطلق من الدماغ. والثاني أن أدنى تغيير في أميركا سينعكس حتمًا على العالَم، تمامًا كما ينعكس تغير بسيط في الدماغ على الإنسان كله.
التدخل الأميركي المباشر إلى جانب الحليف «الإسرائيلي» يُقابله تساؤل عن غياب تدخلٍ مماثل للصين إلى جانب «حلفائها» المفترضين
إلى أين تتجه الصراعات؟
في ما يبدو أن المرحلة المقبلة ستحمل مزيدًا من التبدلات الاستراتيجية في شكل الصراع ومناطقه أيضًا، إذ يبدو أن التوجه الأميركي سيكون أكثر ميلًا إلى حسم الصراعات من ميله إلى إدارتها، وهو ما سينعكس على «الشرق الأوسط» وصراعاته بالدرجة الأولى.
وقد برز هذا في تصريحات الرئيس الأميركي خلال لقائه مع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو في فلوريدا، حيث كان واضحًا في رسالته إلى إيران وأذرعها بأنه لا مجال للعودة إلى الوراء.
ويبقى السؤال الهاجس الآن:
هل سيكون نفط فنزويلا وقود الاستثمار والتعمير؟ أم سيكون وقود حروب باتت قريبة؟

