اختار مصطفى اللبّاد ( 1965- 2019 ) أن يكون كتابه ” شجرة الفستق- إيران والعرب في قرن (1914 – 2013 ) الصادر حديثًا عن دار هاشيت أنطوان- نوفل وثيقة سياسيّة تاريخيّة تلخّص امتداد إيران السياسي على الخارطتين العربيّة الاقليميّة، دون التركيز على الحقبة الخمينيّة المثيرة للجدل دون التغافل عن المخاض السياسي التاريخي الذي صنع إيران كلاعبة إقليميّة فرضت نفسها منذ انقلاب رضا بهلوي على القاجيين.
ستة فصول ملحقة بمقدمتين وملحقين كاد فيهما الباحث أن يفقد انغماسه الموضوعاتيّ خصوصًا حين ركّز في الفصل الأخير على علاقة مصر بإيران، دون أن يعني ذلك حرص الكاتب على التسلسل الزمني في الاجابة على اشكاليّة الكتاب الأساسيّة: كيف نشأت إيران السياسيّة؟ وكيف فرضت نفسها على خارطة العرب السياسيّة؟
إيران الدولة وإيران الخمينيّة
نقطة القوّة في الكتاب تظهر بدءًا من المقدّمة، حين ميّز اللبّاد بين إيران الدولة بجغرافيّتها وتاريخها وإيران التي باتت صورتها النمطيّة مرتبطة بالثورة الإسلاميّة والسياسات التي فرضتها على الداخل والخارج.
يحاول اللبّاد أن يبقى على ضفّة المنهجيّة البحثيّة الموضوعيّة مستخدمًا السرد التاريخي لمسار إيران الذي بدأ يتبلور بعد الحرب العالميّة الثانية ومناصرتها للحلفاء، والحديث عن عقدة طهران من موسكو ونفوذها، والسجال حول الخليج العربي واعتبار العرب طهران شكلًا استعماريًّا منفاسًا للاستعمار العثماني، ليقع الباحث في فخّ الانحياز والخطاب الشعوريّ موصّفًا تداعيات الحرب بين حماس واسرائيل عام 2008 على انها انتصار لحماس على آلة القتل الاسرائيليّة رغم الخراب (راجع ص. 81 )، لينتقل اللبّاد في هذا السياق من التوصيف إلى الرأي وهوما يحدث خلخلة في العمل البحثي عمومًا.
نجح الباحث في التمييز بين إيران السياسيّة وايران الخمينيّة التي تعدّ مجرّد جزء من تاريخ إيران الكلّي، مظهرًا طبيعة التكوين لسياسة ايران العليا التي بدأت منذ عهد الشاه بلون برغماتيّ تجاه العرب وانتهت بتشكيل ساحات وأدوات استفاد منها النظام الخمينيّ للضغط على المجتمع الدولي وفرض شروطه ولو بعد خسارات باهظة.
شجرة الفستق الدخيلة في الحوض العربي
بلغة مباشرة سياسيّة استطاع مصطفى اللبّاد أن يختصر المشهد العربي الإيراني المعقد والذي مرّ بعدّة حروب تباين فيها العرب والإيرانيّون، سواء في العراق والكويت وسوريا.
استخدم اللبّاد تشبيهًا بليغًا حين ربط إيران بشجرة الفستق التي لا تزهر سوى حين تهب الرياح والعواصف، والتي لا يظهر تماسكها وصلابتها سوى الا على هيئة جذع شجرة الفستق العنيدة الصلبة المتمسكة بالأرض.
يعطي الباحث العلاقة بين العرب والايرانيين بعدًا تاريخيًّا سياسيًّا دون التركيز على العلاقة الدينيّة المضطربة منذ عقود وهو ما يعدّ سياقًا لافتًا.
يترك مصطفى اللبّاد بحثه ضمن إطار تغلب فيه السياسة على التاريخ، بالرغم من توظيف كلّ المنطلقات التاريخيّة للبحث في السياسة وما نتج عنها من ولادة لدولة إيرانيّة نافذة في عدّة مراحل وحقبات وأحداث، ليبقى السؤال: استنادًَا إلى كلّ ما ورد هل تبقى إيران لاعبًا إقليميًّا بعد خسارتها في عدّة جبهات؟ أم تبحث عن تموضع جديد لها ؟أم سيكون مصيرها كدول عدم الانحياز انكفاء واضح عن الحروب والصراعات السياسيّة الكبرى؟

