ما يجري في الهرمل لا يمكن قراءته كمشروع اجتماعي معزول، ولا كمبادرة إسكان بريئة في منطقة مهمّشة.
مجمّع سكني ضخم أُنجز بإشراف حزب الله على واحدة من أخطر العقد الحدودية بين لبنان وسوريا، خارج أي مسار واضح للترخيص أو الرقابة الفعلية للدولة، يفرض نفسه كمعطى سياسي-أمني لا عمراني. السؤال هنا لا يتعلّق بعدد الشقق أو بهوية السكان فقط، بل بوظيفة هذا الموقع في لحظة إقليمية أعقبت سقوط نظام بشار الأسد وتشتّت شبكاته خارج سوريا، بحثًا عن جغرافيا بديلة لإعادة التنظيم.
الهرمل ليست تفصيلاً جغرافيًا، هي ممر حدودي، بيئة مغلقة نسبيًا، ومساحة استخدمت تاريخيًا لإدارة ملفات تتجاوز الدولة اللبنانية.
في هذه البقعة تحديدًا، تتقاطع معلومات متداولة في أكثر من اتجاه عن وجود كثيف لفلول نظام الأسد، أعادوا التموضع بهدوء ضمن تجمعات سكنية شبه مغلقة، مع مستوى حماية يسمح لهم بالعيش بعيدًا عن الإعلام، من دون فقدان القدرة على التواصل والتنظيم وإعادة وصل الشبكات.
في هذا السياق، يتحوّل المجمع السكني من مبنى إلى بنية جاهزة للاستخدام السياسي-الأمني، لا سيما حين تكون إدارته الفعلية وأمنه الداخلي خارج يد الدولة، فيما تتكفّل الدولة نفسها بتأمين الكهرباء والمياه والبنى التحتية.
هذا النموذج، المعروف في التجربة اللبنانية، يكتسب اليوم دلالة أخطر: تحويل الإسكان إلى أداة تثبيت نفوذ طويل الأمد، تحت غطاء اجتماعي، في منطقة تُستخدم كخزان بشري وأمني على تماس مباشر مع سوريا.
الربط هنا ليس افتراضيًا، فالتقارير المتداولة تشير إلى أن النسبة الأكبر من فلول النظام السوري السابق تتمركز في بعلبك-الهرمل، ضمن شبكات مترابطة، بعضها عائلي وبعضها أمني صرف.

من يتواجد هناك من مسؤولي الأسد؟
الحديث لا يقتصر على عناصر هامشية، بل يشمل دوائر قريبة من قلب المنظومة السابقة، مع تداول أسماء ضباط ومسؤولين سابقين مثل جميل الحسن، خالد أيوب، معضاد حسيني، وآصف أنيس، إلى جانب مضر شوكت نجل بشرى الأسد، وأفراد من عائلة علي مملوك، الرئيس السابق لمكتب الأمن القومي السوري. وجود هذه الأسماء، أو محيطها المباشر، لا يمكن فصله عن طبيعة الأماكن التي يُسمح لها بالاستقرار فيها ولا عن الجهات التي توفّر الغطاء.
بالتوازي، تنتقل مراكز الإدارة والقرار إلى بيروت والضاحية،هناك، يتمركز عدد أقل عدديًا لكنه أعلى تأثيرًا: مسؤولون سابقون، رجال أعمال، ووسطاء ماليون يشكّلون حلقة الوصل بين المال والسياسة والأمن.
هؤلاء لا يحتاجون إلى تجمعات كبيرة أو مجمّعات مسوّرة، بل إلى مكاتب، شبكات علاقات، وحرية حركة، ما يجعل العاصمة وضواحيها مركز التحكم الفعلي، فيما تبقى المناطق الحدودية خزانًا وملاذًا.
ويكتمل المشهد بغطاء سياسي واضح في مناطق مثل زغرتا، حيث يتمتع جزء من هذه الشبكات بحماية سياسية عبر سليمان فرنجية، المعروف بعلاقته الوثيقة بنظام الأسد.
هكذا تتوزع الأدوار بدقّة، الهرمل للتثبيت، بيروت للإدارة، الشمال للغطاء، والجنوب وجبل لبنان للحركة والربط التقني.
سهيل الحسن في لبنان؟
الأخطر أن هذا المشهد يتقاطع مع معطيات دولية حسّاسة، فخلال الفترة الأخيرة، ترددت معلومات عن تحرّك استخباراتي أوروبي، من بينها معطى منسوب إلى أجهزة فرنسية حول توقيف أو ملاحقة سهيل الحسن، أحد أبرز قادة النظام السوري السابق.
في المقابل، صدر نفي رسمي لبناني لوجوده على الأراضي اللبنانية، قبل أن تُنقل معطيات مغايرة من الجانب الأميركي إلى السلطات اللبنانية تؤكد وجوده داخل لبنان، ما وضع الرواية الرسمية في موضع تشكيك مباشر. هنا لا يعود النقاش نقاش نقص معلومات أو التباس تقني، نحن أمام فجوة بين ما يُقال علنًا وما يُعرف في الغرف المغلقة.
هذا التناقض، إلى جانب التباطؤ اللبناني الرسمي المزمن في ملف الأسرى السوريين، يقدّم مؤشرًا إضافيًا على أن الدولة اللبنانية لا تزال واقعة تحت تأثير عميق لما يمكن تسميته الدولة العميقة، حيث يتقدّم نفوذ حزب الله وحساباته الإقليمية على منطق السيادة والمساءلة.
ما نشهده ليس مجرد تساهل، بل نمط إدارة يقوم على الإنكار، التأجيل، وتدوير الزوايا، بما يتيح لشبكات نظام سوري ساقط أن تعيد ترتيب نفسها داخل الجغرافيا اللبنانية، مستفيدة من مشاريع تبدو مدنية، لكنها تُدار خارج منطق الدولة.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود فلول نظام سابق، بل في طريقة إعادة دمجهم بهدوء داخل لبنان، عبر بنى سكنية، أغطية سياسية، وإنكار رسمي. مجمّع الهرمل، في هذا السياق، ليس تفصيلاً عمرانيًا ولا حادثة معزولة، بل قطعة أساسية في خريطة أكبر تُرسم بهدوء وتُدار ببرودة أعصاب، استعدادًا لمرحلة لم تتضح ملامحها بعد.
السؤال لم يعد إن كانت فلول الأسد موجودة في لبنان، بل من سمح بتحويل مناطق لبنانية كاملة إلى منصات إعادة تنظيم، ومن يملك قرار الإنكار حين تصبح الحقيقة عبئًا سياسيًا.

