لم يعد الانهيار اللبناني ظاهرة قابلة للتفسير عبر مؤشرات الاقتصاد وحدها، ولا من خلال انسداد سياسي ظرفي أو اختلال إداري عابر. فبعد سنوات من التعطيل المنهجي للقضاء، وضياع الودائع، وتفكك الإدارة العامة، وتحويل الصراع الطائفي إلى أداة حماية ومقايضة،
لم يعد الفشل الإصلاحي في لبنان مسألة تقنيات إدارية، أو قصور تشريعي، أو غياب خطط اقتصادية فحسب، بل بات انعكاسًا مباشرًا لبنية أعمق وأكثر رسوخًا: نظام القيم السائد الذي يحكم السلوك السياسي والاجتماعي، ويعيد إنتاج الأعطاب ذاتها، رغم تغيّر الحكومات أو تبديل الشعارات. فالأزمة اللبنانية، في جوهرها، أزمة نظام قِيَّم يحكم السلوك العام ويحمي سلوك منظومة سياسية، ويُنتج الفشل، ثم يشرعنه، ويقاوم كل محاولة لتجاوزه.
1) في صلب هذا النظام القيمي، تبرز النزعة الكمالية الإقصائية (Maximaliste)
بوصفها منطقًا ناظمًا للفعل السياسي والاجتماعي، أي النزوع الدائم إلى المطالب القصوى، ورفض الحلول المرحلية أو التسويات الجزئية. في هذا المنطق، لا يُنظر إلى الإصلاح كعملية تراكمية طويلة النفس، بل كـ«اإستحقاق مطلق»، ما يجعل أي مقاربة واقعية عرضة للتخوين أو التشكيك. هذا السلوك لا يقتصر على القوى السياسية، بل يتسرّب إلى المجتمع نفسه، حيث يُنظر إلى التنازل بوصفه ضعفًا، وإلى المرونة كخيانة للمبدأ.
إقرأ أيضا: تطمينات أميركية: الحل الدبلوماسي أولا.. تطوير التفاوض بدل اللجوء إلى الحل العسكري
وهكذا يتحوّل الإصلاح من مسار عقلاني قابل للتدرّج إلى معركة هويات، تُقفل فيها الأبواب أمام الممكن، ويُنتظر فيها المستحيل. انها نزعة لا تقبل إلا بالحلول المطلقة، وترفض التدرّج، وتُسقط الممكن بحجة أنه غير كامل، وتُقصي كل مقاربة لا تفضي فورًا إلى النتيجة القصوى. بهذه الذهنية، يتحوّل الإصلاح من مسار تراكمي عقلاني إلى معركة أخلاقية صفرية، إما نصر كامل أو هزيمة كاملة.
2) تحول الكمالية الإقصائية؛ من قيمة اخلاقية إلى آلية تعطيل
وتتجلّى هذه النزعة في مقاربة اللبنانيين، سياسيين ومجتمعًا وصناع راي، لملفات الإصلاح الكبرى. فالإصلاح القضائي، على سبيل المثال، لا يُطالَب به كعملية مؤسساتية طويلة النفس، بل كمواجهة شاملة وفورية مع النظام برمّته. كل قاضٍ يُدفَع ليكون بطلاً منفردًا، وكل تحقيق يُحمَّل أكثر مما يحتمل. والنتيجة ليست بناء قضاء مستقل، بل إنهاكه وتعريضه للانقسام والاصطفاف، بحيث تتحوّل العدالة نفسها إلى موضوع نزاع.
إن أي مشروع إصلاحي جدي في لبنان لا بد أن يبدأ بإعادة بناء نظام القيم: قيمة التدرّج بدل الكمال، المسؤولية بدل التبرير، التفكيك بدل الشلل، والمواطنة بدل الطائفىة
في ملف الودائع ايضا، تُستخدم الكمالية الإقصائية كشعار أخلاقي جذّاب: “لا نقبل إلا باستعادة كاملة وفورية لكل الودائع”. غير أن هذا الشعار، على عدالته المبدئية، يُستثمر عمليًا لمنع تفكيك الجريمة المالية. فالتفكيك يقتضي تحديد المسؤوليات بين الدولة، والمصرف المركزي، والمصارف، والسياسات المالية المتراكمة.كما يقتضي التدقيق الجنائي والمحاسبي في كل حسابات الدولة والمصارف، وتحديد حجم الخسائر الناتج عن مديونية الدولة، من جهة اولى ثم تحديد الخسائر والاموال المنهوبة من جرائم التربح من الانهيار وركوب موجات الافلاس والتداول من الداخل، من جهة ثانية ،أما رفع سقف المطالب إلى مستوى الاستحالة، فيُبقي الجميع في منطقة رمادية، بلا محاسبة، وبلا حلول تنفيذية.
3) رفض تفكيك الملفات… ومعالجة الأزمة كوحدة صمّاء
من أخطر تجليات نظام القيم اللبناني رفض تفكيك الملفات وتجزئتها. فالأزمات تُطرَح دائمًا كحزمة واحدة غير قابلة للفصل: لا قضاء بلا تغيير سياسي شامل، ولا إصلاح مالي بلا توافق وطني كامل، ولا إدارة فعّالة بلا إعادة تأسيس الدولة. هذا المنطق، الذي يبدو نظريًا متماسكًا، يعمل عمليًا كآلية تعطيل دائمة.
من أخطر تجليات نظام القيم اللبناني رفض تفكيك الملفات وتجزئتها. فالأزمات تُطرَح دائمًا كحزمة واحدة غير قابلة للفصل: لا قضاء بلا تغيير سياسي شامل، ولا إصلاح مالي بلا توافق وطني كامل
والحقيقة ان تفكيك الأزمات يعني إدخالها في منطق المحاسبة والإدارة، وتحديد المسؤوليات، وفتح مسارات جزئية للحل. أما إبقاؤها متداخلة، فيسمح بتذويب المسؤولية، وتأجيل القرار، وحماية شبكات المصالح تحت شعار التعقيد. ففي مجال نقاش مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد اغلبية المودعين لودائعهم، تتم المطالبة بملاحقة الفساد في شركة الكهرباء، او تجارة الفيول المغشوش، او جباية الرسوم من المعتدين على الاملاك البحرية والمقالع والكسارات، هذه الملفات وغيرها جديرة بالمساءلة والملاحقة والمحاسبة، لكنها ملفات مستقلة تماما، هذا المنطق، الذي يبدو ظاهريًا عقلانيًا، يخفي في العمق إرادة تعطيل، تحوّل الأزمة إلى حالة دائمة، لا تُحلّ لأنها لا تُفكَّك.
4) «شو وقفت عليّي»… تآكل المسؤولية الفردية
القيمة الثالثة الأكثر تدميرًا هي ثقافة «شو وقفت عليّي»، التي تُسقط المسؤولية الفردية بحجة عمومية الفساد أو شمولية الانحراف. في هذا السياق، يصبح خرق القانون فعلًا مبرَّرًا أخلاقيًا، لأن «الجميع يفعل ذلك»، وتتحوّل المحاسبة إلى سلوك انتقائي لا يُطال إلا الضعفاء أو الخارجين عن الحماية السياسية.
هذه الذهنية تقوّض أي مشروع إصلاحي من أساسه، لأن الإصلاح يفترض وعيًا جمعيًا بأن تغيير المسار يبدأ من الفرد، ومن الامتثال الطوعي للقانون، لا من انتظار معجزة سياسية. وحين يغيب هذا الوعي، تتحوّل الدولة إلى كيان نظري، ويصبح القانون توصية لا إلزامًا. الموظف لا يلتزم لأنه لا يرى جدوى، والمسؤول لا يحاسب لأنه يعتبر نفسه جزءًا من خلل عام، والمخالفة تصبح قاعدة لا استثناء. بهذا المعنى، لا تنهار الإدارة العامة بسبب نقص القوانين أو الكفاءات فقط، بل بسبب تآكل القيمة الأخلاقية للوظيفة العامة. الإصلاح الإداري يُفرَغ من مضمونه لأن المجتمع نفسه لا يؤمن بجدواه الجزئي، وينتظر دائمًا الحل الشامل المؤجَّل.
5) خلط الطائفي بالجنائي وازدواجية المعايير
أخطر ما في نظام القيم اللبناني هو خلط الطائفي بالجنائي، بحيث يُعاد توصيف الجرائم المالية والإدارية، وأحيانًا الجنائية الصريحة، بوصفها استهدافًا طائفيًا أو سياسيًا. في هذا المناخ، لا يُحاكم الفعل بل هوية الفاعل، ولا تُقاس الجريمة بمعايير قانونية بل بميزان الانتماء والهوية. وينتج عن ذلك ازدواجية فاضحة في المعايير: جريمة هنا تُدان وتُضخَّم، وأخرى هناك تُبرَّر أو تُطمس. هذا الخلل لا يضرب العدالة فقط، بل ينسف الثقة العامة بأي مسار إصلاحي، لأن الإصلاح لا يمكن أن يقوم على قضاء انتقائي أو أخلاق عامة مجزأة، ففي النظام الطائفي تُرفع كل مساءلة إلى مستوى الاستهداف الوجودي، وكل تحقيق يُصوَّر كمؤامرة على جماعة. هنا، لا تُناقَش الجريمة بمعايير قانونية، بل بميزان العصبية. وتصبح العدالة انتقائية، تُطبَّق حيث لا تهدّد التوازنات، وتُعطَّل حيث تقترب منها. هذه الازدواجية ليست خللًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لنظام قيم يقدّم الانتماء على المواطنة، والحماية على المحاسبة، والاستقرار الوهمي على العدالة.
6) والسؤال هل سينجو لبنان مع هذا العهد وهذه الحكومة!؟
إن جوهر المأزق اللبناني يكمن في أن النصوص الإصلاحية غالبًا ما تكون متقدّمة، لكن البيئة القيمية التي تُفترض بها تنفيذها متآكلة. فلا يمكن لأي قانون، مهما بلغت دقّته، أن يُطبَّق في مجتمع يَتبنى منطق الكمالية الاقصائية، ويُبرّر اللامسؤولية الفردية، ويرفض تفكيك أزماته، ويُقدّس الانتماء الهوياتي على حساب العدالة.
أخطر ما في نظام القيم اللبناني هو خلط الطائفي بالجنائي، بحيث يُعاد توصيف الجرائم المالية والإدارية، وأحيانًا الجنائية الصريحة، بوصفها استهدافًا طائفيًا أو سياسيًا. في هذا المناخ، لا يُحاكم الفعل بل هوية الفاعل، ولا تُقاس الجريمة بمعايير قانونية بل بميزان الانتماء والهوية
إن أي مشروع إصلاحي جدي في لبنان لا بد أن يبدأ بإعادة بناء نظام القيم: قيمة التدرّج بدل الكمال، المسؤولية بدل التبرير، التفكيك بدل الشلل، والمواطنة بدل الطائفية.
إقرأ أيضا: علي الأمين: قرار حصر السلاح اتُخذ.. وتسليمه «أشرف» للحزب وأقل كلفة على لبنان
إن لبنان ليس بلدًا ميؤوسًا منه. فالتاريخ يُظهر أن المجتمعات التي تعاني أزمات قيم عميقة لا تنهض بالانقلابات السريعة، بل بالتراكم البطيء. لبنان سينجو، لا لأن نظامه السياسي سيتحوّل فجأة، بل لأن الكمالية الإقصائية ستتآكل تدريجيًا أمام ضغط الواقع، ولأن التدرّج، مهما بدا بطيئًا، هو المسار الوحيد الممكن.
المعافاة اللبنانية لن تكون درامية ولا سريعة، لكنها ستكون نتاج تحوّل قيمي هادئ: قبول الممكن بدل انتظار الكامل، تفكيك الأزمات بدل تقديسها، ومساءلة الأفعال بدل حماية الهويات. عندها فقط، يصبح الإصلاح مسارًا لا شعارًا، وتصبح الدولة أفقًا واقعيًا لا حلمًا مؤجَّلًا.

