السفينة العابرة للقارات: قنبلة بحرية بتوقيع نصرالله وشكر.. وقبطانها عماد أمهز 

Imad Amhaz Vessel Project Hezbollah

بعد اعترافات الأسير اللبناني لدى إسرائيل عماد أمهز الموثقة بالفيديو، التي حصلت بعد «انهيار» أصابه، كشفت صحيفة إسرائيلية ما لم يكشفه بيان الجيش الإسرائيلي: السفينة التي عمل عليها حزب الله. 

ما هي هذه السفينة، كيف كانت ستعمل؟ ولماذا تدخّل فيها، على ذمة أمهز، القائد المسؤول عن وضع الخطط العسكرية في حزب الله منذ 2006 فؤاد شكر، والأمين العام الأسبق السيد حسن نصرالله. 

القصة بدأت عام 2021 

في أواخر عام 2021، وفق صحيفة «يسرائيل هيوم» (اسرائيل اليوم) التي نشرت تفاصيل خاصة ومفصلة، بدأت الرقيب أول في استخبارات سلاح البحرية «ع.»، التي تبلغ من العمر 23 عامًا، تتابع عنصرًا من المستوى المتوسط في حزب الله اسمه عماد أمهز، وكانت كنيته في التنظيم: «جريح».

ظاهريًا، كان أمهز مجرد عنصر آخر من عشرات عناصر حزب الله الذين ظهروا على رادار «ع.»، لكن كان فيه شيء غير مألوف. فرغم كونه مقاتلًا ملتزمًا تربّى حتى في حركة شبيبة تابعة لحزب الله، لم يكن أمهز شيعيًا متدينًا على نحو صارم. 

كان يقضي وقتًا طويلًا في النادي الرياضي، وكان جسده مزينًا بالعضلات والوشوم. أحد تلك الوشوم كان بورتريه لزوجته، التي كانت بدورها موشومة. تقول «ع.»: «كان لديها وشوم لورود. وفي التحقيق روى أنه هو وزوجته تشاجرا كثيرًا، وفي مرحلة ما انفصلا. وبعد ذلك اضطر إلى إخفاء الوشم الذي يحمل صورتها إلى أن عادا في النهاية. هو ليس الشريك المثالي، ينظر حوله، يحب أن يعيش حياة العزوبية حتى وهو ليس أعزب. يهتم بعضلاته، مُحب للمتعة. باختصار، ليس العنصر المحافظ. في تلك الفترة تابعت عدة أشخاص، لكن أمهز كان دائمًا في ذهني. كل مرة كنت أعود إليه لأرى ما الجديد لديه. حاولت أن أفهم إلى ماذا هو مكشوف، وما قيمته كعنصر في حزب الله».

وردا على سؤال تقول عنه: «إنه جندي جيد. عندما يُعطى أمرًا يقول نعم وينفذ».

التعرف إلى «السمكة الكبيرة»

التقت «ع.» في مكتب رئيس شعبة الاستخبارات البحرية، العميد «أ»، الذي يتولى خلال السنة الأخيرة أرفع منصب في استخبارات سلاح البحرية. هناك، تحت طوابق عدّة، توجد «غرفة العمليات» التابعة للسلاح، التي أُديرت منها عملية اختطاف أمهز، وفق ترجمة «جنوبية».   

ويقول العميد «أ»: «الأمر يشبه إلقاء صنارة ورؤية أي سمكة علقت بالخطاف. الفكرة هي أن تميّز من وسط ضجيج الأشخاص على الجانب الآخر من قد يكون سمكة كبيرة، ثم تركز عليه. هذا بالضبط ما حدث مع أمهز».

منذ أن بدأت تهتم بأمهز وتخصص له موارد استخباراتية متزايدة، اكتشفت «ع.» أنه يعقد لقاءات غامضة مع مسؤولين كبار في حزب الله. أحدهم كان علي عبد الحسن نور الدين. نور الدين متزوج من ابنة فؤاد شكر، الذي كان حتى اغتياله في 31 تموز 2024 رئيس أركان حزب الله وذراع نصر الله اليمنى.

 وبصفته هذه، أدار نور الدين بعض المشاريع السرية لحزب الله، تلك التي كانت تُوجَّه مباشرة من شكر ونصر الله. والآن، لسبب ما، تبيّن أنه يلتقي سرًا مع أمهز، الرجل مفتول العضلات والمُوشوم. تقول عسكرية أخرى هي المقدم «د.»: «يجلسون على الطاولة نفسها ويمررون رسائل، كان ذلك بالنسبة له إثارة كبيرة. الارتباط بالكبار منحه فخرًا ودافعًا».

عناصر وضباط البحرية الاسرائيلية العاملين على ملف عماد أمهز

المفاجأة الكبرى.. سفينة حزب الله 

تبين إن أمهز، قبل أشهر من بدء «ع.» التركيز عليه، اختير ليكون محورًا مركزيًا في مشروع طموح لحزب الله، من نوع المشاريع السرية التي كان نور الدين يديرها لصالح شكر ونصر الله.

 وقررت قيادة التنظيم أن يصبح أمهز قبطان «الملف البحري السري». يقول العميد «أ»: «مشروع استراتيجي شديد السرية، حدث كان يمكن أن يغيّر الوضع في مواجهتنا وكذلك مع دول أخرى هذه هي السمكة الكبيرة التي اصطدناها بالصنارة».

نشأ «الملف البحري السري» في وقت ما عام 2016. ومن شذرات معلومات وصلت عبر السنوات إلى الاستخبارات الإسرائيلية، تبيّن أن الهدف العام كان إنتاج «سفينة الإرهاب» التابعة لحزب الله، بحسب التسمية الإسرائيلة: بنية تتيح للتنظيم تشغيل سفينة تجارية مدنية كبيرة بصورة مستقلة، يمكنها أن تبحر من دون إثارة الشبهات في البحار، وأن تدخل موانئ مدنية، وأن تنفذ هجمات تغيّر ميزان الرعب تجاه إسرائيل وحلفائها.

 يقول العميد «أ»: «أن تأخذ وسيلة نقل بحرية مدنية كغطاء، وتضع عليها قدرات هجومية وفق خيالٍ واسع. فكر في 11 سبتمبر: تأخذ منصة مدنية وتستخدمها لتنفيذ عمل إرهابي استراتيجي. هذا كان الهدف».

المشروع، وبسبب أهميته، وُجّه مباشرة من نصر الله وشكر (وبعد اغتيالهما انتقلت إدارته إلى نور الدين)، وكان شديد التكتّم وضم عددًا قليلًا من الشركاء. يقول العميد «أ»: «نصر الله وشكر اعتبرا ذلك مفاجأتهما الكبرى. لذلك أُدير كل شيء بصورة مركزية جدًا، ومن دون مستويات وسيطة». 

بعد سنوات تعثّر فيها المشروع بسبب صعوبات في التمويل ومشكلات داخلية تنظيمية، اكتسب زخمًا في 2021 بأمر من نصر الله. وكانت إحدى الخطوات الأولى اختيار ربان السفينة المستقبلية، شخص يستطيع إدارة الجانب البحري للمشروع: القبطان.

عماد أمهز

أمهز هو الذي وقع عليه الاختيار. وبالإضافة إلى لقاءاته السرية مع نور الدين، بدأ يبحر بين دول في أوروبا وأفريقيا واكتسب خبرة كعامل على سفن شحن، وكل ذلك تحت غطاء «مواطن بريء». 

تقول المقدم «د.»: «كان ببساطة يصعد كمواطن إلى سفن ويبحر معها بهدف اكتساب خبرة بحرية. الطموح كان جمع ساعات بحر، والتقدم في سلم الدرجات، وفي النهاية أن يصبح قبطانًا مدنيًا قادرًا على قيادة سفينة تجارية مدنية كبيرة بنفسه. وبالتوازي مع جمع الساعات العملية كان يتعلم النظريّة ويتقدم. هذا المسار منحه خبرة عملياتية وغطاءً مدنيًا، بحيث عندما يصبح قبطانًا مؤهلًا لسفينة مدنية، لن يثير الشبهات. عمليًا هو يعمل تحت غطاء».

أي هجمات كانوا يفكرون في تنفيذها عبر سفينة الإرهاب التي سيقودها أمهز؟ تقول «يسرائيل هيوم»: «يمكن فقط أن نتخيل: خطف سفينة ركاب، ضرب منصة «كاريش»، اقتحام عشرات المسلحين عبر ميناء حيفا أو أشدود». 

 تقول «د.»: «في التحقيق ضغطنا على أمهز وقلنا له: «هيا، قل ماذا خططتم».. لكننا فهمنا أن الهدف كان في تلك المرحلة فقط بناء القدرة، بناء تلك “العضلة”. وقال: “ما يقرره التنظيم، سنعرف كيف نفعله”. بالنسبة لهم كل شيء كان مطروحًا من ضرب نقاط استراتيجية إلى دخول البطن الرخوة لإسرائيل».

ضمن تدريبه ليصبح قبطانًا مدنيًا، كان أمهز يغيب لأشهر طويلة عن بيته في قرية القماطية، حيث كان يعيش مع زوجته وأطفاله. تقول «ع.»: «وخلال ذلك يتقاضى راتبًا من حزب الله، وأثناء غيابه عن المنزل يتولى نور الدين الاهتمام بعائلته».

في 2024 عاد إلى لبنان، وفي سبتمبر/أيلول بدأ دراسة للحصول على مؤهل القبطان في «المعهد البحري للعلوم والتكنولوجيا»، وهو مؤسسة مدنية تقع في بلدة البترون. 

كما استأجر أمهز «شاليه» في البترون، رغم أن منزله يبعد عنها قرابة ساعة بالسيارة. تقول المقدم «د.»: «يمكنه أن ينهي يوم الدراسة ويعود إلى البيت، ومع ذلك يختار استئجار شقة في البترون والنوم هناك. هذا جزء من حبه للمتعة، وربما جزء من رغبته في التركيز على الدراسة». وقد ركز أمهز كثيرًا على الدراسة. تقول «د.»: «طالب مجتهد… وفي التحقيق ترى أنه شخص مثقف، ليس فلاحًا جاء فقط ليقاتل».

جزء من اعترافات عماد أمهز (الجيش الإسرائيلي)

عملية خطف عماد أمهز 

في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد ثلاث سنوات من التحضيرات وعدة أسابيع من الدراسة في البترون، كان يفترض أن يحصل أمهز على دبلوم القبطان الذي يطمح إليه. لكنه لم يحصل عليه أبدًا. تقول «ع.»: «منذ اللحظة التي انتقل فيها أمهز للعيش في بلدة البترون الساحلية، فهمت أن هناك فرصة. فهمت أنه يمكن قطفه (خطفه)».

جزء من دور محللين مثل «ع.» في فرع التوجيه والأهداف ليس فقط «دراسة العدو» على الجانب الآخر من الحدود، بل أيضًا توجيه عمليات ضده، ما تسميه استخبارات البحرية «من البحث إلى العملية». عندما فهمت المحللة «ع.» أنها اصطادت «سمكة كبيرة»، بدأت بالسحب. 

تقول المقدم «د.»، قائدة «ع.»: «ع. هي من جاءت بالمبادرة، وبالشدّ على يدنا للخروج بعملية خطف. جاءت وقالت: «هناك شخص مثير للاهتمام، دعونا نحضره». ومنذ لحظة طرح الفكرة، نحن كقادة قلنا: «هذه فكرة لطيفة، دعونا نفحصها». 

الفكرة التي طرحتها «ع.» لأول مرة خلال سبتمبر/أيلول 2024 صعدت في سُلّم الموافقات بسرعة مذهلة. تقول «د»: «الجميع فهم أن هناك شخصًا في قلب السر، جزءًا من قدرة استراتيجية يبنيها حزب الله. إضافةً إلى ذلك، التوقيت كان جيدًا: نحن أصلًا في عملية سهام الشمال وفي سياق تصعيد بالمواجهة مع لبنان، ويمكن المخاطرة أكثر وتحدي الحدود وإخراج عمليات من هذا النوع».

بطبيعة الحال، الوحدة التي اختيرت لتنفيذ الخطف هي «شاييطت 13»، وحدة الكوماندوس النخبوية في سلاح البحرية، التي كأنها وُلدت لمهام من هذا النوع. في الشاييطت أخذوا المهمة بكلتا اليدين، واستخرجوا من «ع.» كل المعلومات الاستخباراتية التي كانت تملكها عن أمهز وروتينه اليومي، وخلال أسابيع قليلة أعدوا خطة اقتحام مفصلة. تقول «د.»: «الشاييطت انخرطت فورًا، كانوا متحمسين جدًا».

رغم أن الأمر يتعلق بتحرك خطر يفترض أن يتم عميقًا داخل أرض العدو، خلال وقت قصير مرّت عملية خطف «الكابتن» بجميع الموافقات المطلوبة، بما في ذلك موافقة رئيس الوزراء. يقول العميد «أ»، الذي حضر بعض تلك الاجتماعات الدراماتيكية: «كان لا بد من إقناع المستويات المسؤولة بأن مستوى المخاطر على القوة يبرر هذه العملية…». 

نُفذت العملية ليلة الأول من نوفمبر/تشرين الثاني. حوالي الساعة الواحدة صباحًا، تمركزت قوة صغيرة من المقاتلات البحرية عند مدخل منزل أمهز الصيفي في البترون. ورافق العملية عناصر من قسم الاستخبارات البحرية. 

ولم تنشر صحيفة «يسرائيل هيوم» المزيد من التفاصيل السرية للاعتقال بل استندت إلى تقارير إعلامية لبنانية، أن العملية نُفذت على يد قوة قوامها نحو 25 مقاتلاً، واستغرقت أربع دقائق فقط. وفي مقطع فيديو قصير التقطته كاميرا مراقبة في منطقة العملية، يظهر أفراد من البحرية الإسرائيلية بزيّهم القتالي وهم يقودون أمهز في أحد الشوارع، وكان رأسه مغطى بقميص.

الفيديو الذي تسرّب من عملية اختطاف أمهز في البترون في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2024
السابق
نتنياهو يعلق على اجتماع «الميكانيزم».. ماذا قال؟
التالي
الأمم المتحدة تعلن انتهاء المجاعة في غزة.. الصحة العالمية: السواد الأعظم من السكان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي