في لبنان، لم يعد الانهيار نتيجة أخطاء متفرّقة أو سياسات عشوائية، بل ثمرة شراكة كاملة بين جميع أطراف المنظومة، بلا استثناء. اختلفوا في الخطاب، تقاسموا في السلطة، وتوحّدوا في تعطيل الدولة ونهب ما تبقّى منها. كل فريق يتقن دور المعارض حين يُحرم من الحصّة، ويعود شريكاً كاملاً متى فُتحت له أبواب التسوية.
السلطة الحالية، بتعدّد ألوانها السياسية والطائفية، أدارت البلد بعقلية الغنيمة لا الدولة. مؤسسات حُوّلت إلى مزارع، إدارات فُرغت من كفاءاتها، وخدمات رُبطت بالولاء لا بالحق. وحين انفجرت الأزمات، لجأ الجميع إلى الخطاب نفسه: شدّ العصب، تخويف الناس، ورمي المسؤولية على “الآخر”، وكأنهم لم يكونوا جميعاً على الطاولة نفسها طوال السنوات الماضية.
الأخطر أن هذا التحالف غير المعلن بين أضداد السياسة قام على قاعدة واحدة: منع قيام دولة القانون. فلا محاسبة تُستكمل، ولا قضاء يُترك يعمل، ولا ملفات فساد تصل إلى خواتيمها. الكل يخشى الدولة الحقيقية، لأنها وحدها تكشف من سرق، ومن عطّل، ومن تاجر بآلام الناس.
في هذا المشهد، المواطن هو الخاسر الوحيد. تُسلب ودائعه، تُرفع عنه الخدمات، ويُطلب منه الصبر باسم الطائفة أو “المرحلة الحساسة”. أما السيادة، فشعار يُستخدم عند الحاجة ويُعلّق عند أول صفقة.
لم يعد مقبولاً الحديث عن منقذ من داخل هذه المنظومة. من أوصل البلد إلى هنا لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل. الخلاص يبدأ فقط بكسر هذه الحلقة: دولة فعلية، مؤسسات مستقلة، ومحاسبة شاملة لا تستثني أحداً. غير ذلك، هو استمرار للانهيار… ولو تغيّرت الوجوه.

