معضلة الشيعة في لبنان (٣):من «المأزق» إلى «الانسداد الكامل»… ومن وهم المناورة إلى حتمية الصدام

الناشط علي شعيب

في الجزأين السابقين من سلسلة “المعضلة الشيعية” (نشرتهما جنوبية منذ مدة قصيرة)، حاولتُ في الجزء الأول تفكيك لحظة الانكشاف التي تعيشها البيئة الشيعية في لبنان، بين خراب ماديّ ومعنويّ كبيرين، وبين خطاب قوّة لم يعد يُقنع حتى كثيرين من أهل البيت نفسه.
وفي الجزء الثاني حدّدتُ أربعة مسارات عاجلة، جزمتُ يومها أنّها وحدها قادرة على إخراج الطائفة من طاحونة الاستنزاف. المسارات الأربعة هي: الاعتراف بتراجع النفوذ الإيراني؛ تسليم السلاح للدولة؛ ترميم الثقة مع الشركاء في الوطن؛ والقبول بالتعدد السياسي داخل البيت الشيعي بدل تخوينه واحتكاره بالكامل.

اليوم، وبعد مرور الوقت الكافي لاختبار النيّات والنتائج، يتّضح أنّ ولا واحدًا من هذه المسارات تمّ التعامل معه بأي جدّية تُذكر. لا على مستوى حزب الله، ولا على مستوى حركة أمل، ولا على مستوى الدولة، ولا حتى على مستوى القوى التي تزعم أنّها ضدّ هيمنة السلاح.
نحن لم نعد أمام مأزق قابل للإدارة، بل أمام انسداد مكتمل الأركان. انسداد يصنعه توازن العجز. الدولة عاجزة، والثنائي متردّد، والخصوم مشتّتون، واللاعب الخارجي لا يقبل أرباع أو أنصاف الحلول.

أولًا: لماذا لم يتحقق شيء؟
1- الدولة بلا أنياب

ليست المشكلة في النيّات فقط، إنّما تكمن المشكلة في البنية التقريرية والتنفيذية للدولة والحكم. فلدينا حكومة بلا قرار سيادي واضح، وأجهزة تتحرّك داخل خطوط حمراء غير مكتوبة، ونظام سياسي اعتاد إدارة الأزمات لا حلّها.
فحين تصبح هيبة الدولة شعارًا إعلاميًا لا قدرة تنفيذية له، يصبح طلبها من حزب مسلّح أن يسلّم ترسانته أقرب إلى تمنٍّ أخلاقي منه إلى سياسة واقعية يمكن استتباعها بعمليات تنفيذية ضمن الأصول والقوانين التي تعطي الدولة اللبنانية وأجهزتها العسكرية والأمنية القدرة على التحرّك وتحقيق المراد بالأدوات العنفية والرادعة الضرورية واللازمة.

2- مأزق نبيه برّي وحدود المناورة

ثانيًا، لأنّ زعيم حركة أمل (بدوام كامل) ورئيس مجلس النواب (بدوام جزئي)، نبيه برّي، حتى لو أراد تسلّم الملف الشيعي كاملًا، يعرف تمام المعرفة أنّ أي مواجهة فعلية مع حزب الله لن تكون مواجهة سياسية مع حزب لبناني فقط، بل سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية مع منظومة إقليمية ما زالت تمتلك مخالب داخل البيئة، وشبكات مصالح، وخزّانات تعبئة عقائدية.

في الجزء الثاني من سلسلة “المعضلة الشيعية” وصفتُ كيف بقيت القيادة السياسية الشيعية عالقة في وهم القوّة والزبائنية والمحاصصة، رغم التحوّلات القاسية التي عصفت بالبيئة الشيعية وهشّمتها تهشيمًا.
إذًا، برّي يستطيع المناورة داخل النظام اللبناني، لكنّه لا يستطيع فتح حرب أهلية شيعية–شيعية، ولا يستطيع تحمّل كلفة انقلاب مكتمل العناصر على إيران، وهو يعلم تمام المعرفة أنّ الحزب ما زال، رغم الاستنزاف، قادرًا على الأذى داخل البيئة قبل خارجها.

برّي يستطيع المناورة داخل النظام اللبناني، لكنّه لا يستطيع فتح حرب أهلية شيعية–شيعية

3- الخارج لا يريد حلولًا رمادية

ثالثًا، لأنّ إسرائيل وحلفاءها الغربيين لا يبحثون عن “هدنة رمادية”.
هم يريدون مخرجًا يُقفل ملف السلاح عمليًا وقانونيًا ورقابيًا، لا مخرجًا يراهن على الزمن علّ السلاح يصدأ في مخابئه تحت الأرض، وتبرد الجبهات بشكل كامل.
هنا بالضبط تقع عقدة “عمى العينين”. فلا أحد في الخارج مستعدّ اليوم لأن يغمض عينًا، كما كان يفعل قبل هجمات السابع من أكتوبر، عن الكتلة الصلبة من ترسانة حزب الله، ثم يقول للداخل اللبناني ولإسرائيل والغرب بأنّ الخطر قد زال.

4- الأيديولوجيا أخطر من السلاح

رابعًا، لأنّ السلاح –مهما كان خطيرًا– هو أقلّ خطرًا من الأيديولوجيا حين تصبح جزءًا أساسيًا من الهوية الجمعية لمجموعة دينية متطرّفة.

لأنّ السلاح –مهما كان خطيرًا– هو أقلّ خطرًا من الأيديولوجيا حين تصبح جزءًا أساسيًا من الهوية الجمعية لمجموعة دينية متطرّفة

في الجزء الثاني من “المعضلة الشيعية” ذكرتُ كيف تحوّل استتباع الهوية الشيعية لمشروع إقليمي إلى سلاح جيوسياسي ينفّر الداخل ويستجلب الخارج.

الأيديولوجيا هنا ليست رأيًا أو تفسيرًا، وإنّما شبكة اجتماعية–ثقافية–اقتصادية معقّدة، مركّبة، ومتشابكة. إنّها شبكة قيم ومعانٍ ورمزيات تُعيد تعريف الكرامة، والصمود، والمظلومية، والعدو، والشهادة.
حين يتم هندسة هذه الشبكة طبقًا لمجموعة قيم غيبية يتم غرسها في الوعي الجمعي، ترتفع قدرة الفرد على تحمّل الألم والمصائب والخراب، ليضحى الألم واستحضار المظلومية التاريخية (كربلاء مثالًا) جزءًا من تعريف الذات وإنكار الواقع.
عندها، لا يعود الانسحاب والاعتراف بالهزيمة فضيلة أو حلًّا ظرفيًا، بل خيانة كبرى، ولا يعود تسليم السلاح انتقالًا إلى الدولة، بل سقوطًا في الذلّ والمذلّة.

5- معارضة شيعية بلا شبكة أمان

خامسًا، لأنّ القوى اللبنانية التي طالما عارضت هيمنة الحزب لا تزال تتعامل مع المعارضة الشيعية الناشئة كفصيل للاستهلاك المصلحي والإعلامي: تداعبها بالكلام، ثم تتركها وحيدة أمام ماكينة التخوين والتخويف.
المعارضة الشيعية تتكاثر، نعم، لكنها حتى الآن غير موحّدة، وغير محمية بشبكة أمان سياسية–اجتماعية–اقتصادية تمنحها القدرة على أن تكون بديلًا عضويًا عن الثنائي الشيعي، لا مجرّد “أصوات شجاعة” هنا وهناك، لكل واحدة منها أحلامها البنفسجية الخاصة بها.

ثانيًا: من المأزق إلى الانسداد الكامل
ماذا يعني ذلك عمليًا؟

يعني أولًا أنّ البيئة الشيعية تُدفع إلى منطقة قاتمة: خراب بلا تعويض مضمون، وتهجير بلا أفق واضح، وسقف سياسي مسدود.
ففي الجزء الثاني من “المعضلة الشيعية” أشرتُ إلى حجم الدمار والتهجير في المناطق ذات الغالبية الشيعية، واستمرار تشريد عشرات الآلاف. ومع ذلك تُترك الناس بين خطابين: خطاب نصر لم يعد يطعم خبزًا، وخطاب دولة لا تملك أدوات الدولة العادية.

ويعني ثانيًا أنّ الانسداد يخلق البيئة المثالية لسيناريو خطير يصبح فيه التصعيد الإسرائيلي أشدّ وأخطر من ذي قبل. ليس لأنّ إسرائيل تحتاج ذريعة فحسب، بل لأنّ غياب حلّ داخلي يجعل الحلّ الخارجي يبدو، في نظر اللاعبين الدوليين، كأنّه الطريق الأقصر والأوحد لإغلاق الملف.
حين تفشل الدولة في إنتاج قرار بسرعة، أو إذا أنتجت واحدًا هي لا قدرة لها على التنفيذ، ولا ينتج البيت الشيعي مراجعة، ولا تنتج المعارضة بديلًا، يصبح الفراغ نفسه سياسة، واستدعاءً لقرارات ردعية أقسى من الخارج الذي يراقب ما “لا يحصل”.
أمّا سياسة الفراغ، فعادةً ما يملؤها الحديد والنار والدمار والتهجير.

ويعني ثالثًا أنّ الصراع القادم، إن وقع، قد لا يكون مجرّد جولة عسكرية، بل عملية كسر إرادات: كسر إرادة السلاح، وإرادة الحاضنة، وإرادة الرمزية التي تقول إنّ حزب الله قادر على البقاء مهما تبدّلت المنطقة ومهما تغيّرت الظروف والمعطيات الدولية.
وهذا النوع من الحروب لا يكتفي بتدمير منصّات صواريخ، بل يضرب البنية الاجتماعية والاقتصادية والمعنوية التي تُبقي أي مشروع حيًّا أو قادرًا على الاستمرار، ولو ببطء.

ثالثًا: إذا كان كل شيء مقفلًا… ما العمل؟

هنا بيت القصيد: الانسداد لا يُكسر أبدًا بالشعارات ولا بالغيبيّات، بل بتغيير قواعد اللعبة داخل البيت الشيعي نفسه. لا ضدّ الشيعة ولا باسمهم، بل حمايةً لهم من أن يكونوا وقودًا لمرحلة جديدة لا ترحم.

الخطوة الأولى ليست مؤتمرًا ولا بيانًا ولا صوتيات وأهازيج وأناشيد، بل إعادة تعريف المصلحة الشيعية بعيدًا عن مصلحة السلاح. هذا يعني ضرورة الاعتراف بتراجع المشروع الإقليمي، لا إذلالًا، بل بداية نجاة.

الخطوة الثانية هي تحويل فكرة تسليم السلاح من شعار أخلاقي إلى مسار تقني–سيادي: آلية لبنانية، بضمانات دولية، وبمراحل واضحة، وبربط مباشر بالإعمار والعودة والتعويض والدمج الاقتصادي.

في الجزء الثاني من “المعضلة الشيعية” قلتُ إنّ تسليم الترسانات يمكن أن يفتح الباب لمساعدات إعادة الإعمار وتقوية السلطات الشرعية. فلا أحد يسلّم “مصدر قوّته” إن كان يعتقد أنّه سيُترك عاريًا أمام انتقام هنا أو تهميش هناك. لذلك، أي حلّ واقعي يحتاج ضمانات لا تمنح امتيازًا لطائفة، بل تمنع تحويل الطائفة إلى هدف مفتوح.

الخطوة الثالثة هي بناء جبهة شيعية وطنية لا تُعرّف نفسها ضدّ أحد، بل تُعرّف نفسها علنًا وبكل فخر أنّها مع الدولة. جبهة تُنتج قيادات محلية ونقابية وبلدية، تُمسك بملف الناس: السكن، التعويض، المدارس، المستشفيات، فرص العمل، وحماية المجتمع من اقتصاد الميليشيا.
لا بديل يُولد من المقالات وحدها. البدائل تُولد حين تتحوّل إلى شبكات خدمات وعمل وأعمال وثقة وتنظيم، تحت جناح دولة مركزية قادرة.

الخطوة الرابعة، والأصعب، هي ضرب ثقافة الاحتكار داخل البيت الشيعي عبر شرعنة التعدد بدل محاصرته. وهذا كان بندي الرابع سابقًا.
علينا بتكريس حقيقة أنّ التعدد لا يُضعف الطائفة. الذي يُضعفها هو أن تُختزل في ثنائية سخيفة تُفاوض باسمها، وتُقاتل باسمها، وتُهزم باسمها، ثم تُطلب منها أن تصفّق للهزيمة كي لا تنهار الأسطورة ولا تسقط الكذبة الكبيرة.

وبالنهاية، فان كسر الانسداد أو انتظار الصدمة

أخيرًا، من لا يفتح بابًا من الداخل تُفتح عليه الأبواب من الخارج. هذا ليس نواحًا على الأطلال، ولا شتيمة في أحد، ولا دعوة إلى صدام أهلي.
هذا تشخيص لحقيقة بسيطة وقاسية في الوقت نفسه: حين تتحوّل المعضلة إلى انسداد، يصبح الزمن عدوًّا لا صديقًا. فكل يوم تأخير يرفع كلفة الخروج، ويجعل “الصدمة الآتية من الخارج” أقرب من “الحلّ الآتي من الداخل”.

حين تتحوّل المعضلة إلى انسداد، يصبح الزمن عدوًّا لا صديقًا

إذا استمرّ هذا الانسداد، فالأرجح أنّ من سيكتب الفصل التالي لن يكون لبنانيًا، بل طائرات وقاذفات، وإنزالات برّية وبحرية وجوية، وحسابات ومصالح دول، ومعادلات ردع، وصفقات تُطبخ فوق رؤوس الناس وبدمائهم وأجساد أبنائهم.

أمّا إذا كُسر الانسداد من الداخل بواقعية قاسية وشجاعة هادئة، فقد يكون ما تبقّى من المجتمع الشيعي قابلًا للإنقاذ، لا بوهم القوّة، بل بقوّة الانصياع لمنطق الدولة والحلول الدبلوماسية، ولو بعد حين.

السابق
لبنان على طاولة نتنياهو – ترامب.. وكشف السبب الحقيقي للتخلي عن السلاح جنوب الليطاني
التالي
تيار التغيير في الجنوب: إعمار بلا زبائنية… ومال الدولة حقّ للناس