الجنوب قبل القالب، قبل أن يتحول إلى بيئة مغلقة، كان مكانًا يشبه مناخه،لا مرتفعات شاهقة تتعالى على الناس، ولا أودية سحيقة تبتلعهم.
كان الجنوب معتدلًا مثل ناسه، مثل أرضه التي لا تعرف التطرف ولا تعيش أقصى الحالات.
كان محافظًا بطبيعته، منفتحًا بثقافته، يعيش بتقاليده بلا خوف، ويستقبل الجديد بلا هلع.
تديّنه لم يكن استعراضًا، ولا بطاقة انتماء، بل علاقة هادئة مع الإيمان، تشبه صلاة الفلاح قبل الفجر لا خطابات المنابر العالية.
الجنوب الأخضر لا الأسود
هذا الجنوب لم يكن أسودا، كان أخضرا على امتداد مواسم القمح والتبغ والأرض، مدرسة تعلّم الصبر لا الكراهية.
جنوب الشعر الذي يُقفى على الشرفات، والأدب الذي يخرج من البيوت لا من الشعارات، والعلم الذي أنجب حسن كامل الصباح
لا كمعجزة فردية، بل كنتيجة بيئة تحترم العقل والمعرفة.
حياة يومية بلا اتهام
في هذا الجنوب لم يكن الفرح عيبًا، ولا الحرية تهمة، ولا الجمال رفاهية.
كانت النساء جزءًا من المشهد لا ظلًا له، وكان اللباس تعبيرًا عن الذوق والحشمة لا عن الولاء.
كان الحزن يُعاش بكرامة، لا يُفرض كنمط حياة دائم.
ثم أُعيد تعريف الجنوب، لا بوصفه مكانًا للعيش، بل ساحة تؤدي وظيفة.
فقدان المساحة الوسط
استُبدلت الاعتدالية الطبيعية بتطرف رمزي، والبساطة وُضعت في قالب جاهز، لتنسف كل الألوان وتفرش على امتداد المواسم لونًا واحدًا.
استُبدلت الذاكرة الشعبية بسردية رسمية جامدة،لتصنع جنوبًا آخر،لا يشبه مناخه ولا تضاريسه ولا ناسه.
صار إما عاليًا حد القداسة، أو عميقًا حد الهاوية، بلا مساحة وسط.
نحن نعرف اليوم ماذا خسرنا، ونعرف أن لا شرعية أخلاقية، بأي خطاب يقول: هكذا كان الجنوب دائمًا.
اقرا ايضا: صيدا – جزين 2026: معركة كسر التوازنات أم إعادة إنتاج النفوذ؟

