في حوار أجريته مع الناشط السياسي الراحل لقمان سليم، أشار إلى نقطة لافتة أنقلها عن لسانه: “لو لم تشارك حركة أمل في حرب 7 أيار في بيروت والجبل لكانت اندثرت”. وأضاف أن نبيه بري، لم يكن قادرًا على معارضة أو منع التدخل العسكري لحزب الله في سوريا. أورد هذه الملاحظة لأن هناك أصواتًا تتعالى اليوم مطالبةً الرئيس بري باتخاذ موقف أكثر صلابة تجاه سلاح حزب الله، لكن كثيرين يغفلون بين رغبة بري وبين قدرته على الفعل والتأثير، فهذا أمران مختلفان تمامًا.
الخوف الشيعي!
صحيح، هناك معلومات متداولة عن شقاق بين الحركة والحزب فيما خص التعامل مع اللحظة الراهنة والحساسة في تاريخ شيعة لبنان، لكن هناك عوائق تقف في وجه الرئيس بري لناحية الذهاب بعيدًا فيما يريده!
أولاً، هناك التعبئة العسكرية للشيعة في لبنان، وهي عسكرة مترافقة مع أيديولوجيا وإعلام واقتصاد لم يسبق لها مثيل من حيث الزخم والتلاحم. فالشيعة يشعرون اليوم بالخوف (وهناك خوف بأجندة إعلامية، وخوف آخر حقيقي) سواء من النظام السوري الجديد أو من التهديد الإسرائيلي الحاصل، إضافة إلى نظرتهم المغلوطة تجاه الطوائف الأخرى.
لا يكاد يمر يوم دون تصريح مبهم، ما يجعله يبدو أحيانًا كشخصية تشبه إلى حد ما الزعيم وليد جنبلاط
في ظل هذا الضغط، يضطر الرئيس بري إلى المسايرة، إذا افترضنا أن ما يضمره هو بالفعل الرغبة في حصر السلاح وإيقاف عسكرة الشيعة، وهنا أؤكد “في حال” وجود هذه الرغبة. وحتى لو كانت الرغبة موجودة وصادقة، فإنها تصطدم بعراقيل مجتمعية تجعل أي خطوة أحادية على حساب وحدة الشيعة مضرة لحركة أمل ولرئيسها، كما حصل في ثمانينات القرن الماضي حين اندلعت المواجهات الدامية داخل البيت الشيعي الواحد. لذلك، نجد التذبذب الدائم في تصريحات الرئيس بري والمعلومات التي تنقل عنه، فلا يكاد يمر يوم دون تصريح مبهم، ما يجعله يبدو أحيانًا كشخصية تشبه إلى حد ما الزعيم وليد جنبلاط.
حرفة تدوير الزوايا؟
تدوير الزوايا ليس بالأمر السهل، فهناك متطلبات دولية وإقليمية ومحلية من جهة، ومتطلبات الحفاظ على الحركة من جهة ثانية، والعلاقة مع حزب الله من جهة ثالثة، ومستقبل الشيعة من جهة رابعة. كل هذه المعطيات تتراكم، والمشي بينها يشبه السير في حقل ألغام
لا يمكن للرئيس بري أن يغضب أميركا وهو يسعى لعلاقات سليمة مع الدول العربية، ولا يريد القطيعة الكاملة مع إيران، مع حرصه في الوقت ذاته على تفادي اندلاع الحرب الإسرائيلية التي تهدد لبنان يوميًا، مضافًا إلى كل ذلك الصخب السوري الآتي من دمشق. كل هذه العوامل تجعل الوضع الشيعي في لبنان بمثابة “قضية” معقدة ومتعددة الأبعاد.
بري ليس الحاكم المطلق
كما يعلم الرئيس بري أن موقفه وحده ليس الفيصل في مسألة السلاح. الجميع يعرف أن لحزب الله أجندته الخاصة ورؤيته المستقلة، ولذلك تبدو المسائل بسيطة لدى بعض المعارضين، وكأن إعلان بري موقفه الصريح من السلاح سيجعل الجماهير الشيعية تتبعه مباشرة، فيما يوافق حزب الله على الفور على تسليم سلاحه! فالفراق، وإن حانت ساعته، إنما تبقى “التخريجة” التي يجب أن تصاغ بها وعلى أساسها.
يعلم الرئيس بري بضرورة عدم جر الشيعة وراء مشروع حزب الله حتى النهاية مع كل ما يعنيه ذلك من كارثة وجودية
الأمور ليست بهذه البساطة. قد تبدو سهلة لمن لا يملك شارعًا يحركه أو إرثًا يخاف عليه، لكنها بالتأكيد ليست كذلك بالنسبة لحركة أمل. فموقف الرئيس بري، سواء أحببنا أم لم نحب، مرتبط بمصير الشيعة ووجودهم، كونهم يشكلون، مع الحزب، القوة الضاربة في هذه البيئة، وأي تعارض فج سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ولذلك يزين الرئيس بري مواقفه بميزان الجوهرجي.
لكن في المقابل، يعلم الرئيس بري بضرورة عدم جر الشيعة وراء مشروع حزب الله حتى النهاية مع كل ما يعنيه ذلك من كارثة وجودية قد تلحق بهم.
استعصاء المسألة الشيعية!
وبالنظر إلى ما أسلفته، يبدو أن دور الرئيس نبيه بري يتجاوز مجرد اتخاذ موقف من مسألة السلاح، فهو يمسك بخيوط مصيرية للشيعة في لبنان، محكوم بحدود واقعية لا تسمح له بالتصرف بمعزل عن المجتمع أو عن الحزب. وهنا يكمن الدرس الكبير: السياسة ليست دائمًا عن ما نريد، بل عن ما نستطيع، وما ينجح في الحفاظ على التوازن، ومنعَا لاستعصاء “المسألة الشيعية”.
الشقاق نافذة للتغيير!
كما يعلم بري، ومعه الحزب، أن هناك تيارات شيعية معارضة، وأن صوتها بات مسموعًا، وأنها كلما امتدّ الاستعصاء في الحل، تنامت شعبيتها. والحرب، فيما لو حصلت، هي واحدة من القضايا التي ستعني بالضرورة الحتمية انفضاضَ الشيعة عن الثنائي الشيعي للانخراط في أفكار جديدة، أفكار لا يزال الثنائي الشيعي حتى اليوم يعمل على كبحها بوسائل مختلفة. وبهذا المعنى، يبدو الشقاق بين الحزب والحركة نافذةً يمكن أن تقود إلى التغيير، وإلى إفساح مجالات أوسع للتعبير السياسي داخل الطائفة الشيعية.

