يعيش لبنان لحظة شديدة الالتباس: مصر تتحدّث عن بارقة إيجابية، فرنسا تبدي ريبةً من تصعيد إسرائيلي وشيك، ووزارة الخارجية اللبنانية تكشف عن تحذيرات جدّية من جهات عربيّة ودوليّة حول عملية عسكرية واسعة تحضّر لها تل أبيب. وبين التفاؤل والتحذير، يتحرك الحراك الدبلوماسي على خطوط متشابكة، فيما تتكاثر الغارات الإسرائيلية جنوبًا بوتيرة تصعّدية لا تشبه لغة التسويات.
القاهرة: «نافذة إيجابية» ومحاولات منع الانفجار
لقاء السفير المصري علاء موسى برئيس الجمهورية جوزاف عون حمل نبرةً مختلفة عن السائد. تحدّث الرجل عن «فرص للحوار» و«أرضيّة يمكن البناء عليها»، في موقف يوحي بوجود مسعى إقليمي – مصري تحديدًا – لفرملة منسوب التصعيد وفتح مسارٍ يسمح بإعادة تجميع عناصر الأمن الداخلي ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
وفي السياق نفسه، تنقل أوساط بعبدا أن الرئيس عون يطرح مقاربات أمنية واقتصادية واجتماعية متوازية تهدف إلى نقل البلاد من حالة الحرب إلى «حالة سلام أهلي دائم»، وهو خطاب يعاكس كليًا نبرة القوى المتشددة في الإقليم.
باريس: لا ثقة بالتقدّم جنوب الليطاني
في المقابل، تبدو القراءة الفرنسية أكثر سوداوية. فمصادر لبنانية تنقل عن باريس خشية جدّية من تصعيد إسرائيلي خلال الأسابيع المقبلة، ممزوجة بشكوك واضحة في قدرة الجيش اللبناني على فرض تقدّم ملموس جنوب الليطاني أو التحقّق من نسب نزع سلاح «حزب الله» في المناطق الحساسة.
وتأتي حركة السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو، وتصريحاته في دارة فريد الخازن، لتؤكد أمرين: تمسّك فرنسا بالملف اللبناني كأولوية، واعتبار «العيش المشترك والوجود المسيحي» عنصرًا أساسيًا في توازن الشرق الأوسط، ما يعكس قلقًا مزدوجًا من الأمن ومن تركيبة الكيان.
رسائل التحذير: سيناريو «عملية واسعة»
وزير الخارجية يوسف رجّي كان الأكثر صراحة. قال إن تحذيرات وصلت من جهات عربية ودولية عن عملية عسكرية إسرائيلية واسعة ضد لبنان، مشددًا على أن الدولة تبذل جهودًا لتحييد المرافق والبنى التحتية عن أي ضربة محتملة.
لكن اللافت أكثر هو كلامه عن «عدم فعالية» سلاح حزب الله في الدفاع عن لبنان أو غزة، وهو تصريح يحمل دلالات سياسية عميقة في لحظة تفاوضية دقيقة، ويكشف عن محاولة لإعادة رسم دور الدولة في قرار الحرب والسلم، ولو تدريجيًا.
واشنطن في معراب: قراءة إقليمية موحّدة
السفير الأميركي ميشال عيسى أمضى ساعتين في معراب في اجتماع مطوّل مع الدكتور سمير جعجع، بحضور الفريق السياسي – الدبلوماسي. النقاشات تناولت التطوّرات اللبنانية والإقليمية، وتقاطعت، وفق مصادر متابعة، عند التحذير من الاتجاه الإسرائيلي المتشدد، وضرورة الإسراع في تثبيت مسار تفاوضي يمنع الانفجار.
غارات الجنوب: الميدان يكذّب الدبلوماسية
الغارات الإسرائيلية على جبل الرفيع وسجد ووادي زلايا وصولًا إلى جباع والريحان وجبل صافي، تكشف أن الأرض تخرج تدريجيًا من نطاق «العمليات الموضعية» إلى بنك أهداف أوسع. رسالة أفيخاي أدرعي حول استهداف «مجمّعات تدريب قوة الرضوان» توحي بأن إسرائيل تعدّ لمرحلة هجومية عنوانها كسر بنية الحزب العسكرية جنوبًا.
إعادة الإعمار: أول اختبار للحكومة
لقاء نواب «الوفاء للمقاومة» مع رئيس الحكومة نواف سلام أعاد فتح ملف الإعمار بجرأة أكبر. سلام أبدى استعدادًا لوضع اعتمادات أولية ولو كانت محدودة، في محاولة لوقف النزيف الاجتماعي والإنساني في الضاحية والجنوب. هنا تسعى الحكومة إلى إظهار أنها ليست متفرّجة على الحرب، بل طرفًا قادرًا على العمل تحت سقف إمكانات شبه معدومة.
«الميكانيزم»: نزاع الروايات ومعادلة العودة
في معلومات استقاها موقع “جنوبية” من مصدر مطلع موثوق، ان جتماع لجنة الـmechanism الأخير الذي حصل في الناقورة في الثالث من الشهر الجاري وترأس الوفد اللبناني فيه السفير سيمون كرم، انتهى بلقاء الثلاثي جمع الوفد اللبناني والاميركي والوفد الاسرائيلي الذي يرأسه المسؤول في الامن القومي أوري ريسنيك، من دون الفرنسيين واليونيفيل، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول شكل المفاوضات ووجهتها. الأبرز كان التحذير اللبناني محاولة لإعادة رسم هوية الجنوب على أساس اقتصادي – استثماري ينتزع 110 آلاف مواطن من أرضهم.اذ ان”تحويل البشر إلى مشاريع عقارية سيؤدي إلى انفجار سياسي وأمني سيدفع ثمنه الجميع، بما في ذلك إسرائيل، لذلك لا بدّ من عودة الاهالي الى قراهم وانسحاب اسرائيل والمباشرة بالاعمار”.

