شكّل الاجتهاد الشيعي عبر العصور رافعة فكرية وثقافية في العالم العربي، وبرز شيعة لبنان خصوصًا كرواد في الحركة الاجتماعية والفكرية والسياسية، من القومية واليسارية إلى الإسلام المعتدل المنفتح على قيم الحداثة. وبرغم ما قيل عن تهميشهم في الدولة ومؤسساتها، فقد كان حضورهم فاعلاً في الفضاء الثقافي والفكري، وفي الحركة الوطنية اللبنانية، وفي بنية الثورة الفلسطينية ومشروعها التحرري.
هذا الدور التنويري الذي أسّسه علماء ومفكرون كبار في جبل عامل، ممن التصقوا بالأرض والناس والتراث الوطني، كرّس الهوية اللبنانية الجامعة، وعزّز الانتماء العربي بعيدًا عن القوالب العقائدية الضيقة.
تصدير الثورة… وانحراف المسار
لكن مع انتصار الثورة الإيرانية وصعود الخميني، انقلب المشهد. إذ بدأت عملية منظمة لتصدير الثورة إلى البيئات الشيعية في المنطقة، خصوصًا في العراق ولبنان، على حساب الخصوصيات الوطنية، وبالحديد والنار داخل إيران نفسها. ومنذ تلك اللحظة، بدأت عملية خطف الوعي الشيعي اللبناني عبر شعارات عقائدية وبنى حزبية تستهدف سلخ الطائفة عن إرثها الوطني وثقافتها التقليدية.
امتدّ هذا التأثير حتى تغيّرت العادات الدينية والمناسبات الحسينية، ودُفِعت الطائفة نحو نمط جديد غريب عن بيئتها. جرى ذلك تحت لافتة «فلسطين» و«المقاومة»، رغم أن الجنوب اللبناني كان أصلاً منخرطًا في القضية الفلسطينية ومنتجًا لرموزها الوطنية: الإمام موسى الصدر، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، السيد محمد حسن الأمين، هاني فحص وغيرهم، الذين رأى فيهم النظامان الإيراني والسوري عائقًا أمام مشروع الهيمنة.
وبفعل هذا المسار، وصلت الطائفة إلى ما وصل إليه لبنان اليوم: إنهاك في الداخل، قطيعة مع محيطها العربي، واستنزاف مستمر في مشاريع لا تصب في مصلحة الوطن ولا في مصلحة الشيعة أنفسهم.
معركة استعادة التنوّع قبل سقوط الهيكل
اليوم، تتهاوى المنظومة التي صنعت هذا المسار في إيران نفسها، فكيف ستصمد عند مستورديها؟ وهل يبقى شيعة لبنان رهائن لمنظومة عقائدية تشارف على الانهيار من مصدرها؟
لقد حان الوقت لعودة الاجتهاد الشيعي الحرّ، ولتحرير الطائفة من سجن الفكر الإلغائي، واستعادة دورها الطبيعي كقوة تنويرية معتدلة تحمل القيم الإنسانية والوطنية. إنها معركة لاستعادة التعددية داخل الطائفة، وإحياء إرثها الثقافي الذي كان يومًا أحد أعمدة نهضة لبنان وتنوّر مجتمعه.

