“يجب أن نجمع سوريا ولبنان معًا لأنهما يمثّلان حضارة رائعة”، قالها برّاك من عليائه كممثل للوصي الأميركي على لبنان وسوريا.
قالها قبل يوم من مرور سنة على سقوط بشّار الأسد، الرئيس الثاني بعد ابيه لنظام الوصاية السورية على لبنان لمدة ثلاثين عاماً وبتكليف اميركي.
ها هي الوصاية الجديدة تذكرنا بالوصاية القديمة، التي لم تكن لتكون لولا إرادة الوصاية الجديدة.
اعتراض لبنانيين على قول برّاك طال مضمون تصريحه وليس حقه بالتصريح عن مصير لبنان كممثل للوصاية الجديدة، لا بل ان كثيرين منا لا يعترضون البتة على الوصاية الاميركية، ولا يميّزون بين دورها كوسيط ودورها كوصيّ، تماماً كما لم يعترض لبنانيون في السابق ولا يعترضون اليوم على الوصاية الايرانية او السورية.
وكأن الحاجة الى الوصاية الخارجية أصبحت في لاوعينا الجمعي كحاجتنا للأكل او للشرب…او لقضاء حاجاتنا البيولوجية الأخرى.
إقرأ أيضا: هل التعصّب المذهبي خيار نجاة… أم وصفة سقوط للمرحلة المقبلة؟
تزامن تصريح برّاك مع طلب الاب ابو كسم مدير المركز الكاثوليكي للاعلام من المدّعي العام التمييزي القاضي جمال الحجّار «اتخاذ الإجراءات العقابيّة اللازمة بحق ماريو مبارك لإستهزائه بالمقدسات الدينية”، وقد جرى فعلاً توقيف مبارك ويُصار الى التحقيق معه.
خطيئة الكوميدي ماريو مبارك انه قال في إحدى عروضه “إن دفن المسيح ما كان منيح لذلك قام»، وهذا ما اعتبره ابو كسم استهزاءً بالمقدسات الدينية، اي بواقعة ان المسيح قام من بين الأموات.
معروف عن النكتة او عن السخرية انها تقول ما نريد قوله بالفعل بشكل يضحك المستمع، مما يجعل ما نقوله أكثر تقبلاً.
التركيز على “الاستهزاء” في ما قاله مبارك، يخفي اصل المشكلة التي ربما حاول الكوميدي التمويه عليها بالنكتة، الا وهي حرية الشك بالمقدسات الدينية.
يعتبر الدستور اللبناني في المادة 9 ان “حرية المعتقد مطلقة”، وحرية المعتقد هي الحق الأساسي للفرد في اختيار دينه أو معتقده بحرية، كما أنها تتضمن حرية تغيير الدين أو عدم اتباع أي دين، وتُعتبر حرية المعتقد حقًا أساسيًا مكفولًا في مواثيق دولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
لكن رغم ان حرية المعتقد “مطلقة” دستورياً نرى ان قانون العقوبات يجرّم في المادة 317 تشويه الشعائر الدينية، بينما تُعاقب مواد أخرى مثل المادة 473 والمادة 474 التجديف وتحقير الأديان.
وهكذا يخالف القانون ما هو ارفع رتبة منه اي الدستور، مما يسمح للبعض وخاصة لرجال الدين، من التسلل من بوابة القانون للتضييق على حرية المعتقد، وما يتلازم معها من حرية الشك او الإلحاد.
حتى دينيا، ذهب البابا فرنسيس بعيدا في التسامح مع السخرية، اذ سأل “هل يمكننا أن نضحك على الله؟” وإجاب “بالطبع يمكننا فهذا ليس تجديفاً، فهو تماماً كما نلعب ونمزح مع من نحب».
لا أعرف اذا كان ابو كسم يعير اعتبارا لأقوال البابا فرنسيس، لكن يمكن تذكيره أيضاً بما قاله الرسول بولس للمؤمنين من حوله: “وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ”.
يُفهم مما قاله بولس ان قيامة المسيح هي في صلب الإيمان المسيحي، لكن يُفهم أيضا منه ان فرضية ان يسوع لم يقم كانت تشغله كما كانت تشغل المؤمنين الأوائل، فكيف بنا نحن وماريو مبارك الذين ننظر الى الحدث عن بعد الفي سنة الا يحق لنا الشك ولو عن طريق المزاح، هذا المزاح الذي يدلّ على ارتباك الإنسان الطبيعي أمام اسرار الكون؟
البارحة صرّح البطريرك الراعي من القصر الجمهوري، “ان الرئيس فوق البطرك” رداً على الاعتقاد ان هناك هوة بين الإثنين. “الرئيس فوق البطرك” اي حكماً فوق الاب ابو كسم،
وهذا يعني أن السلطة المدنية هي فوق السلطة الدينية في الدولة اللبنانية، تماماً كما ان الدستور هو فوق القوانين حتى ولو كانت تراعي الحساسيات الدينية.
إقرأ أيضا: عودة سوريا إلى الطاولة الدولية: رسائل خفية وراء زيارة الوفد الأممي إلى دمشق
لا يحتاج المواطن اللبناني الى وصاية دينية داخلية على حرية تفكيره التي كفلها الدستور، وصاية تكبّل عقله وارادته وتجعل منه مع غيرها من الوصايات الاجتماعية، غير قادر على تسيير حياته من دون وصاية خارجية.
سلطة الدولة تبقى مقبولة طالما هي منبثقة من إرادة شعبية حرة عبر الانتخابات الديموقراطية، وعلينا أن نحرر هذه الإرادة من الوصايات الداخلية والخارجية التي تكبّلها، اذا اردنا ان نصبح دولة مستقلة في يوم من الايام.

