منذ أيام فقط، بتاريخ 3 كانون الثاني من العام 2025، نشرت صفحات التواصل الاجتماعي مقطعًا لأحمد قعبور وهو يغني في حفلة ضمن كورال للأطفال أغنيته الخالدة “أناديكم”، كلمات الشاعر الفلسطيني الرائع توفيق زيّاد. اجتاح هذا المقطع مواقع التواصل كالنار في الهشيم، وأعاد إلى الأذهان لحظات تاريخية من النضال والمقاومة التي لا تموت.
لقد شهدتُ تلك الحفلة، وكان المشهد مؤثرًا أكثر مما يمكن أن تصفه الكلمات. أحمد قعبور، الذي حمل كلماته وأغنياته طيلة حياته كرسالة مقاومة وحب للحرية، كان في تلك اللحظة يتحدى المرض بكل ما أوتي من قوة. ورغم أن جسده أصبح ضعيفًا، وكان يواجه اختراق السرطان لجسده، إلا أن روحه ظلت صامدة، وكان يرفض الاستسلام.
الغناء من على الأرض… والروح أعلى من الألم
رأيته وهو يواصل الغناء، رغم المرض الذي أرهقه، ورغم أن جسده لم يعد يقوى على الوقوف، فكان يكتفي بالجلوس على الأرض. ومع ذلك، رفض أن يتوقف عن الغناء. كان المرض يضغط عليه بقسوة، لكن صوته، الذي ظل حاضرًا طوال هذه السنوات، كان أقوى من أي ألم. أحمد قعبور لم يكن يغني فحسب، بل كان يصرّ على أن يبقى صوته موجودًا في زمن أضعفه فيه المرض.
في تلك اللحظة، وأنا أراه جالسًا على الأرض وهو يغني، شعرت بحزن عميق. دمعة ذرفتها عيناي، ليس بسبب المرض فقط، بل لأنني كنت أعلم أن هذا الصوت الذي لا يعرف الاستسلام هو نفسه الذي كان يصدح في ميادين الثورة، وفي المعتقلات، وفي ساحات النضال. كنت أعرف أحمد قعبور ليس فقط كفنان، بل كرفيق نضال، وكأستاذ في مدرسة الحياة. لقد كان دائمًا أكثر من مجرد مغنٍ. كان رمزًا للثبات، والمقاومة، والكرامة.
قعبور المناضل… ذاكرة السجون والمخيمات
أحمد قعبور هو صديقي ورفيقي، مناضل مقاوم، فنان، ومربّي جيل. في سجن أنصار عام 1983، كان يشكّل مصدر إلهام لنا جميعًا. لم يكن فقط الفنان الذي أضاء لنا لحظات من الأمل في محيط مليء بالظلم، بل كان رجلًا مناضلًا، قلبه مليئًا بالحب للأرض والحرية. علّمنا كيف يكون الغناء سلاحًا في وجه القهر، وكيف تصبح المقاومة ثقافة وحياة. كان دائمًا يصرّ على أننا، رغم الأسوار والأصفاد، يمكن أن نرفع رؤوسنا، وأن نتمسك بأملنا مهما كانت الظروف.
أغنيات صنعت ذاكرة المقاومة
لا يمكن المرور مرور الكرام على أعمال وصوت أحمد قعبور الملتزم والمقاوم. الثائر الذي لم يتوقف عن حمل رسالة الفن والمقاومة. فهل ستكون الأجيال القادمة على دراية بصوته وأغانيه التي غنّاها للوطن الجريح؟
تلك الأغاني التي تجسدت في مقاطع مثل “يا ريح على المختارة”، “يا ريح على الخيام”، و”يا ريح على المنارة”. لم تكن مجرد كلمات وألحان، بل وثائق للمقاومة والوجع الفلسطيني، وأداة تعبير عن الأمل والتحدي في مواجهة الاحتلال والموت. لقد كان صوت أحمد قعبور صرخة في وجه الظلم، ورسالة لا تُنسى لكل من استمع إليه، وأصبحت تلك الأغاني جزءًا من تاريخ نضالي لا يختفي.
أنصار 1983: حين كانت الأغنية سلاحًا لا يُكسر
تذكرتُ أيضًا كيف كانت هذه الأغنية تتحوّل إلى سلاحنا الوحيد في وقت سابق. ففي عام 1983، عندما كنت معتقلًا في سجن أنصار الأول، كنا نردد «أناديكم» في كل لحظة من لحظات القهر.
كانت تلك الأغنية بالنسبة لنا أكثر من مجرد كلمات تُغنّى؛ كانت صرخة اعتراض ضد السجّان، وضد كل ممارسات القمع والظلم. كانت أصواتنا تهتزّ في السجن، حناجرنا تتنفس مع كل كلمة وكل نغمة. كأننا نقف ضد الجدران التي تقيدنا، ضد الأصفاد التي تكبّلنا.
كانت الأغنية، كما كان الغناء ذاته، وسيلة لرفع قبضة المقاومة، لرفع الصوت في وجه الظلم. لم يكن هناك سلاح أقوى من الصوت في تلك اللحظات التي فقدنا فيها كل شيء سوى أملنا. كانت الأغنية السلاح الذي لا يُكسر، وكانت الأمل الذي لا يُهزم.
المرض… معركة جديدة لا تختلف عن معارك الأمس
واليوم، عندما أرى أحمد قعبور وهو يواجه مرضه بكل هذا الصمود، أتذكر تلك اللحظات التي كانت فيها الأغنية مصدرًا للحرية، للكرامة، للمقاومة.
كأن الزمن يعيد نفسه، وكأن أغنيته «أناديكم» لم تكن صرخة في وجه الاحتلال فقط، بل صرخة في وجه كل ما يهدد الإنسان في كرامته وحريته.
أحمد قعبور لا يغني فقط، بل يقاوم. يقاوم بكل ما لديه من صوت وقوة وإرادة، كأنه يقول لنا: “لن أستسلم، ولن أنكسر، حتى لو اخترق المرض جسدي”.
فهو، كما كان في ساحة النضال، ما زال يقاوم اليوم، ولكن بطريقة مختلفة. ما زال يغني لأنه يؤمن أن الغناء جزء من المقاومة، جزء من الانتصار على كل ما يحاول سلب الحياة والحلم والكرامة.
صوت لا يعرف الاستسلام
أحمد قعبور لا يعرف الاستسلام، حتى وهو يواجه المرض الذي ينهش جسده. يقاوم كما قاوم في معتقلات الاحتلال، وكما قاوم في ساحات النضال. يثبت لنا أن الحياة ليست في الجسد فقط، بل في الروح التي لا تُهزم، في الصوت الذي لا يتوقف عن الحياة.
وعندما يقول سميح القاسم في قصيدته الشهيرة:
“لا أخافك أيها الموت… ولن أحبك… بل سأتغلب عليك”
يبدو أن أحمد قعبور يعيش هذه الكلمات بصدق. فحتى الموت، في نظره، ليس النهاية، بل تحدٍّ ومعركة وغناء مستمر. هو صوت لا يتوقف.
الفنّ مقاومة… والمقاومة حياة
إنه، في النهاية، ليس مجرد مغنٍ، بل أحد رموز المقاومة الثقافية. رمزية لم تتأثر بزمن، ولا بمرض، ولا بمحنة. هو من يستمر رغم كل شيء، لأنه يؤمن أن الفن والمقاومة لا يفترقان.
هو من يعلّمنا أن الحياة لا تكون إلا عندما نغني بصدق، عندما نبقى واقفين، عندما نقاوم بكل ما نملك.
أحمد قعبور، المناضل، الفنان، الإنسان، سيظل صوتًا حيًا وقامة لا تنكسر، سواء في معتقلات الاحتلال أو في مواجهة مرضه. فهو يقاوم، وسيتغلب على المرض كما تغلب في الماضي على كل الصعاب، لأن صوته لا يعرف الاستسلام.

