خرج أحدُ الحزبيين اللبنانيين قبل أيامٍ وعَرض، على وجهٍ لَمْ يخلُ من التسطّح في النسبة، ولا من التهاون في أداء الأمانة، نظرية «ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة».
تلك النظرية التي كان خالي الإمامُ الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، رحمه الله، أوّلَ من أقام برهانَها، ورسم حدودَها، وضبطَ مواردَها ومصادرَها، حتى غدت من المعالم المنهجية التي لا يُستغنى عنها في فقه الاجتماع السياسي المعاصر.
غير أنّ المتحدث، وقد نَسبها إلى «أحد المفكرين»، لا إلى صاحبها، بدا كأنّه قد توهّم أن المفهومَ يكتسب وجودَه استقلالاً عن سنده، وأن الاستفادة من الثمرة تُغني عن توقير الأصل الذي تفرعت عنه، فأعرض عن ذكر الإمام الراحل، إعراض من يَحسبُ أنّ الفكرة في ذاتها تعلو على صاحبها، وأن الشرعيةَ تُستنبَت من الفكرة وحدها، لا من العقل الذي أنشأها. وآفة هذا الوهم، أنه يجمع بين شحّ الإنصاف واستبطان العجب، والتعالي الذي يجعل الانتفاع بقول العالِم قريناً بالاستغناء عن ذكره، وهذا، في محكم العقل، ليس كسلاً يُعودُ إلى وهنٍ أو غفلة، بل قصدٌ مستكنٌّ في إزاحة القائل، وعجبٌ شنيع.
وعلى أية حال، من يعرف يعرف، بأنَّ هؤلاء القوم لم يكتفوا بطمس إسم الإمام في مقام البحث عن شرعية لفكرة أو مشروع يحتاجونه الآن، بل كان لهم في حياة الإمام ما كان من النيل منه، والتضييق عليه، والطعن في سداد نظره، حتى إذا وُوري الثرى، لم تستقم لهم نفوسهم ولم تطِب، إلا بأن صادروا مؤسساته، ونالوا من عياله وعشيرته، ظناً منهم بأنّ الطعن في الذاكرة يُعدم الأثر، وأن إخفاء الشاهد يُبطل الشهادة، وما دروا أنّ الذكر إذا انتقل من صدور الرجال إلى كتب التاريخ صار أعصى على المحو، وأبقى على الدهر.
ولقد طرح الإمام رحمه الله هذه النظرية قبل ثلاثة عقود ونيف، في زمن كان سوق الدم فيه أروج من سوق الفكر، وكانت حيل السياسة المبنية على إقصاء العقل أرسخ من كل دعوة إلى الرشد. يومئذٍ استنكروها، لا لبطلانها في نفسها، بل لأنّ تجارتهم بأرواح اللبنانيين كانت تقتضي تغليب السلاح على الميزان، وتعظيم الصخب على البيان، فزعموا أنّ السلاح «زينة الرجال»، وما علموا أنّ الزينة التي يُحمد صاحبها عليها هي العقل، إذ به تُعرف المقادير وتُرد الشطحات وتصحّح المغالطات.
إنّ الذين أسرفوا في الدم، واستهانوا بحيوات اللبنانيين واللبنانيات، وأداروا حروباً لا يشتريها العقلاء حتى بقُلامة، هؤلاء، في موازين العدل الحقّة، أحقُّ بالسجون منهم بالمنابر، وبالمساءلة منهم بالافتئات على التاريخ، لأنَّ المسؤولية عن الإزهاق لا تُدفن بموت الضحايا، ولا تُنسى بتغيير الأقنعة، بل تبقى ديناً مسطوراً في ذمة من يحمل وزر تلك الدماء. #لبنان

