لا يمكن النظر إلى نشر اسم حزب الله اللبناني والحوثيين في قائمة الإرهاب العراقية ثم سحبه خلال ساعات على أنه مجرّد خطأ إداري.
ما حدث بدا أشبه بومضة سياسية تكشف توازنات دقيقة داخل بغداد، بين رغبة في طمأنة الغرب وبين خشية من الاصطدام مع إيران وحلفائها.
فالقرار الذي ظهر في الجريدة الرسمية، قبل أن يُلغى ويُفتح تحقيق حوله، جاء في لحظة إقليمية حسّاسة، حيث تضغط واشنطن لتطويق النفوذ الإيراني الممتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن.
ما حدث بدا أشبه بومضة سياسية تكشف توازنات دقيقة داخل بغداد، بين رغبة في طمأنة الغرب وبين خشية من الاصطدام مع إيران وحلفائها
التراجع يعمّق الأسئلة
لكن ردود الفعل داخل العراق نفسها كانت كافية لإظهار أن الدولة لا تستطيع التحرك في هذا الملف دون حسابات دقيقة، وأن أي خطوة من هذا النوع لا تمرّ مرور الكرام في شارع يحمل جزءًا من المزاج السياسي المقاوم. فالتراجع السريع لم يكن الحلّ لإطفاء الاسئلة، بل عمّقها: أكان القرار اختبارًا لمزاج داخلي وإقليمي؟
بروفة أولى لسياسة جديدة؟
هل أرادت بغداد القول للغرب بأنها قابلة للضغط، ولطهران بأنها لن تكسر الجسور؟ أم أننا أمام بروفة أولى لسياسة جديدة أكثر تشدّدًا أو أكثر مرونة في ملف الحدود والتمويل والتحالفات؟ الملف لا يتوقف عند ورقة رسمية سُحبت.
ما جرى يفتح الباب على مرحلة سياسية دقيقة قد تعيد رسم خطوط الحركة عبر الحدود، خصوصًا تلك الممتدة نحو الجنوب السوري واللبناني، حيث لطالما وُصفت بأنها شريان عبور لنفوذ يتجاوز الجغرافيا.
هل أرادت بغداد القول للغرب بأنها قابلة للضغط، ولطهران بأنها لن تكسر الجسور؟ أم أننا أمام بروفة أولى لسياسة جديدة
قوتان تتجاذبان العراق
ما شهدناه لم يكن مجرد قرار نُشر ثم تراجع، بل إشارة إلى أن العراق يقف أمام لحظة موازنة دقيقة بين قوتين تتجاذبانه، فمنذ سنوات تتحرك الدولة العراقية على خط مشدود بين المحور الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة ويحاول تقليص مساحة حركة إيران في الشرق الأوسط، والمحور الاقليمي الذي ترى فيه طهران عمقًا استراتيجيًا ومسرح نفوذ يصعب التفريط به.
اختبار الشارع؟
لذا جاء الإعلان ثم سحبه كصوت مكبوت خرج للحظة ثم عاد إلى مكانه. وكأن بغداد أرادت أن تلمس بيد واحدة نبض الشارع المحلي وقوة اعتراضه، وبالأخرى أن تستطلع مدى تقبّل طهران وحلفائها لأي تغيير محتمل في شكل العلاقة.
ويبدو الواقع اكثر من مجرّد (إدراج وتراجع) إنّه مستقبل الحدود المفتوحة بين العراق وسوريا، وامتداداتها وصولاً إلى الجنوب اللبناني، حيث ترتسم خطوط نفوذ لا تقل أهميتها عن سلاح أو اتفاق سياسي.
هذه الحدود ليست مجرد جغرافيا، بل شريان يربط أطراف محور كامل. تشديد الخناق عليه أو تركه مرنًا يغيّر شكل التوازنات في المنطقة كلها. لذا، لا يمكن النظر إلى الحدث كعثرة تقنية.
يبدو الواقع اكثر من مجرّد (إدراج وتراجع) إنّه مستقبل الحدود المفتوحة بين العراق وسوريا، وامتداداتها وصولاً إلى الجنوب اللبناني
إنه مؤشر على أن المرحلة المقبلة ربما تحمل اختبارات مشابهة، وربما أكثر وضوحاً. قد تكون بغداد اختبرت ردود الفعل الآن، لتعرف مدى قدرتها على المناورة مستقبلاً حين يصبح الاختبار قرارًا فعليًا لا مساحةً للنفي.
العراق وسياسة التوازن الرمادي
وبالتالي يمكن أن ترى نفسها مجبرة على اتباع سياسة التوازن الرمادي كي تحافظ على علاقاتها مع إيران وحلفائها، دون قطع جسور الحوار مع الغرب. او تشدد تدريجي بفعل الضغط الخارجي، وفي حال ارتفعت حرارة المواجهة الإقليمية أو زاد الضغط الأميركي ـ الإسرائيلي تكون العودة نحو سياسة الباب المفتوح مع تنظيم النفوذ مما يعيد تنشيط شبكة العلاقات مع محور المقاومة، ولكن بصيغة أكثر مؤسسية وعلنية، بدلاً من بقاء الحركة في الظل أو عبر المسارات غير الرسمية. ويبدو الجدل حول القرار لم يُغلق بسحبه، بل بدأ بعده.
إقرأ أيضا: بين تهديدات الشيخ نعيم ودبلوماسيته المصطنعة مع الدولة كذبة كبيرة
فالعراق اليوم ليس مجرد دولة تتلقى التوجيهات والتعليمات والاوامر من الشرق والغرب، بل نقطة التقاء لها ثقل حاسم في خرائط الصراع والتحالف. أي تعديل في موقعه، حتى لو كان في سطر أُدرج ثم حُذف، يمكن أن يعيد صياغة حركة النفوذ في المنطقة.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه، إلى أين يستطيع العراق أن يميل دون أن يقع؟ وكم يستطيع أن يناور قبل أن يُطلب منه الحسم؟

