إسرائيل وحزب الله… أحدهما مرآة للآخر

منى فياض

في زمن الانهيارات المتتالية، يبدو أنّ الشرق الأوسط يعيش مفارقته الأكثر غرابة: قوتان تُقدَّمان نفسيهما كأكبر الخصوم، لكنهما في العمق متشابهتان أكثر مما تظنان. إسرائيل من جهة، وحزب الله من جهة أخرى. جيشٌ كان يُسوَّق على أنّه الحديد الذي لا يصدأ، وتنظيمٌ يقدّم نفسه كـ «قوة لا تهتز». كلاهما اليوم يتصرّف بطريقة تقول للمراقب بوضوح: “أضرب من بعض… وكل واحد أكثر جنونًا من الآخر.”

وربما ليس من المبالغة القول إنّ هذين الخصمين اللدودين، اللذين حوّلا لبنان وإسرائيل إلى مسرح مسبق للحروب المقبلة، يلتقيان عند نقطة واحدة: الخوف الوجودي. الخوف من السقوط، من التفكك، من فقدان الشرعية أمام الداخل قبل الخارج. وكل مؤسسة حين تخاف هذه النوعية من الخوف، تبدأ بالتصرف بطرق غير عقلانية، بل أقرب إلى الهروب إلى الأمام.

لهذا يتصرّف الجيش الإسرائيلي اليوم بشيء من الهستيريا المنظَّمة: اغتيالات مفاجئة، تصعيدات غير محسوبة، محاولات جرّ المنطقة إلى معركة أوسع. ليس لتأكيد قوته، بل ليهرب من انهياره الداخلي

الجيش الإسرائيلي لم يعد الجيش نفسه الذي عرفه الشرق الأوسط لعقود. هذا ليس رأياً، بل خلاصة ما تقوله الصحافة الإسرائيلية نفسها. جدالات علنية بين القيادة السياسية والجيش، اتهامات متبادلة حول الفشل، وعجز واضح عن صياغة استراتيجية واحدة للحرب في غزة أو على الجبهة الشمالية.

ولعلّ الأكثر دلالة هو خطوة الحكومة الأخيرة بإنشاء برنامج لمراقبة سلوك جنودها: خطوة لا تقوم بها دولة واثقة من نفسها. إنها إشارة مباشرة إلى أزمة ثقة داخلية، وإلى خشية حقيقية من العصيان، أو من تسرّب الرواية العسكرية الحقيقية إلى الخارج، أو من انهيار الصورة المتخيَّلة للجيش أمام جمهوره.

تحت السطح، تظهر بوادر تفكّك:

جنود يرفضون الخدمة.

وحدات احتياط تستنزفها أشهر من القتال.

صراعات بين اليمين المتطرف والقيادة العسكرية التقليدية.

تراجع المعنويات إلى مستويات لم تعهدها إسرائيل منذ عقود.

لهذا يتصرّف الجيش الإسرائيلي اليوم بشيء من الهستيريا المنظَّمة: اغتيالات مفاجئة، تصعيدات غير محسوبة، محاولات جرّ المنطقة إلى معركة أوسع. ليس لتأكيد قوته، بل ليهرب من انهياره الداخلي. إنها «قوة» تشعر بأن الأرض تسحب من تحت قدميها، فتحاول خلق صدمة خارجية تنقذ تماسكها الداخلي.

حزب الله… قوة تتآكل تحت الجلد

وعلى الضفة الأخرى، يقف حزب الله بصورة مختلفة في الظاهر، لكن متشابهة جداً في العمق. التنظيم الذي بنى صورته على الصبر الاستراتيجي، وضبط النفس، وتخطيط طويل المدى، يعيش اليوم إرهاقاً بنيوياً.

الاغتيالات التي استهدفت قياداته — وآخرها هيثم طباطبائي — ليست مجرد “خسائر فردية”، بل ضربات تصيب العمود الفقري لخبرته الميدانية. إعادة إنتاج هذا المستوى من الكوادر ليست عملية سريعة، ولا مضمونة، مهما حاول الخطاب أن يوحي بالعكس.

ثم هناك البعد الداخلي:

بيئة جنوبية مُنهكة، بلد مدمّر اقتصادياً، شارع شيعي منقسم بين الصمت القلِق والدعم الحذر. معادلة الدعم المطلق تبدّلت. الناس يريدون النجاة، لا الحروب المفتوحة. يريدون بيوتهم لا “توازن الردع”. يريدون الدولة، حتى إن كانت ضعيفة، على سلطة السلاح التي صارت أقرب إلى عبء يومي.

حزب الله اليوم لا يقاتل ليصنع مستقبلاً، بل ليضمن استمرار معادلة وجوده. هذه ليست قوة تتقدم، بل قوة تعمل للنجاة بنفسها.

مشتركات القوتين… حين يصبح الجنون استراتيجية

إذا وضعنا الطرفين في ميزان واحد، فالنتيجة غريبة:

الجيش الإسرائيلي يخوض حرباً ليهرب من محاسبته على 7 أكتوبر.

وحزب الله يخوض معركة متقطعة ليهرب من غضب بيئته ولحماية نفوذه السياسي.

إسرائيل تخشى السقوط من فوق.

والحزب يخشى الاهتراء من الداخل.

إسرائيل تفقد ثقة جمهورها بمؤسساتها.

والحزب يفقد قدرة مجتمعه على الاحتمال.

كلاهما يجرّ شعبه ومعه لبنان والمنطقة إلى حافة الجنون، ليس لأنّهما يريدان الانتصار، بل لأنهما يخافان من الاعتراف بأنّهما في حالة ضعف.

بيئة جنوبية مُنهكة، بلد مدمّر اقتصادياً، شارع شيعي منقسم بين الصمت القلِق والدعم الحذر. معادلة الدعم المطلق تبدّلت. الناس يريدون النجاة، لا الحروب المفتوحة. يريدون بيوتهم لا “توازن الردع”.

وفي التوصيف اللبناني الشعبي البسيط: “أن واحدهما أضرب من الآخر”. وما حدا أحسن من حدا.

النتيجة المؤلمة أن لبنان يقف بين قوتين تتصرفان خارج منطق الدولة: إسرائيل التي تحاول إعادة اختراع نفسها عبر العنف، وحزب الله الذي يرفض الاعتراف بأنّ البلد لم يعد يتحمّل أجندته الإقليمية.

وبينهما شعب يُقصَف من الجنوب، ويُنهب في الداخل، وتُدمَّر مؤسساته، ويُطلب منه أن يدفع ثمن معارك دونكيشوتية.

لبنان يقف دائماً في منتصف الطريق، لكنه اليوم يقف تحديداً بين مؤسستين تعيشان أسوأ أزماتهما الوجودية.

عسى أن تكون زيارة البابا فتحت نافذة أمل.

السابق
سيمون كرم في مواجهة أوري رزنيك: من هما «نجما» التفاوض بين لبنان وإسرائيل؟
التالي
اجتماع الناقورة… ما الذي كشفته الجولة الرابعة عشرة من محادثات الميكانيزم؟