لم يكن خطاب جوزف عون مجرد احتفال بالاستقلال كان أشبه بغرفة اعتراف سياسي مغلقة فتح بابها للحظة، ووقف على عتبتها، ثم أغلق الباب قبل أن يُفصح عمّا بداخله. الرئيس، الذي يعرف جيدًا أن لبنان يُحكم من قوتين متوازيتين، حاول أن يعيد تعريف المعادلة من دون أن يشعلها.
لكن الذكاء وحده لا يكفي دائمًا خصوصًا عندما يكون من يقف على الضفة الأخرى ليس لاعبًا سياسيًا بل منظومة كاملة اعتادت أن تكون دولة داخل الدولة.
حين وقف في الجنوب، لم يكن يستعرض حضور الدولة كان يختبر حدودها فالرئيس يعرف أن الجنوب ليس مجرد منطقة هو ميزان القوى الحقيقي ومن يدخل إليه بصفة رئيس لا يعلن حضور الدولة فقط بل يعلن أنه يمدّ يده إلى مساحة تُعتبر خطًا أحمر لغيره.
اختيار الجنوب كان جرأة نعم ،لكنه أيضًا كان اختبارًا لردّة الفعل، أكثر مما هو خطوة تثبيت سيادة.
الكلمات التي قالها عن السيادة تحرير الشبر الأخير ولا شريك للدولة حملت نبرة عالية ،لكنها كانت نبرة مُكيسة، مصنوعة بعناية.
الرئيس بدا وكأنه يقول للجميع:أسمّي الأشياء بلا أسمائها،أُلمّح بلا أن أضرب،أُلوّح بلا أن أتحدّى…
حين وقف في الجنوب، لم يكن يستعرض حضور الدولة كان يختبر حدودها فالرئيس يعرف أن الجنوب ليس مجرد منطقة هو ميزان القوى الحقيقي ومن يدخل إليه بصفة رئيس لا يعلن حضور الدولة فقط بل يعلن أنه يمدّ يده إلى مساحة تُعتبر خطًا أحمر لغيره
لكن حين يقول لا وصي على الدولة وهو يدرك تمامًا مَن هو الوصي الفعلي على القرار الأمني والعسكري منذ ٢٠٠٦ حتى اليوم فهو لا يعلن حربًا، لكنه يعلن موقفًا.
إقرأ أيضا: سقط المحور.. فغرقت «سفينة نوح»!
وهو الموقف الذي يزعج الحزب أكثر مما يزعجه الهجوم المباشر،فالهجوم المباشر يسهل الرد عليه أما التلميح الذكي فهو أخطر،لأنه يربك، ويُربّي توقعات، ويفتح أسئلة داخل جمهور الحزب نفسه.
الخطير في خطاب الرئيس أنه لم يتحدث عن نزع السلاح بل عن استعادة الدولة لقرارها،وهذه العبارة ليست بريئة،فهناك فرق كبير بين نزع السلاح وهو مشروع حرب وبين انتزاع القرار وهو مشروع تغيير هوية.
الرئيس يعرف أن الحزب لا يخاف على سلاحه،الخوف الحقيقي عند الحزب هو على نفوذه، على دوره، على شرعيته في بيئته.
والرئيس لمس هذه النقطة تحديدًا،لم يهاجم الحزب، لكنه هاجم مبرّراته،لم ينتقد السلاح، لكنه انتقد وظيفته.
وهذا أخطر بكثير.
وحين تحدث الرئيس عن الاستقلال الذي يبدأ من مواجهة الواقع لا الهروب منه بدا وكأنه يوجه كلامه لطرف واحد لا غير،ذاك الذي يصرّ أن الدولة غير جاهزة،وأن الظروف غير مناسبة وأن الخطر الخارجي يبرر وجود قوة إضافية خارج المؤسسة الشرعية،
الرئيس هنا من دون أن يسمّي، قال لهم:
أنتم جزء من المشكلة وليس من المشكلة فقط، بل من منع الحل.
لكن في المقابل وهنا بيت الجرأة الرئيس لم يذهب إلى النهاية لا لأنه خائف بل لأنه يعرف أن الذهاب إلى النهاية يعني سقوط اللعبة كلها والرئيس ليس في وارد إسقاط اللعبة بل يريد إعادة ترتيب قواعدها.
الخطير في خطاب الرئيس أنه لم يتحدث عن نزع السلاح بل عن استعادة الدولة لقرارها،وهذه العبارة ليست بريئة،فهناك فرق كبير بين نزع السلاح وهو مشروع حرب وبين انتزاع القرار وهو مشروع تغيير هوية
هو لا يريد مواجهة الحزب لكنه يريد تحجيم دوره،لا يريد كسره،بل يريد نزع فكرة أنه الدولة الموازية.
وهذه معركة طويلة، باردة، تتطلب دهاءً سياسيًا لا انفجارات.
لكن هناك لحظة في الخطاب كانت الأوضح، والأكثر رمزية، والأكثر معنى لكل من يعرف كيف تُقرأ السياسة في لبنان:
عندما تحدث عن آلية متفق عليها لاستلام النقاط الحدودية،هنا، بالضبط هنا، قدّم الرئيس اعترافًا غير مباشر بأن الدولة لا تملك السيطرة ولكنه في الوقت نفسه قدّم وعدًا بأنها ستملكها عبر (اتفاق)
والمعادلة واضحة:
الدولة تستعيد عبر التفاوض والحزب يتنازل عبر المرحلة.
لكن الطرفين يعرفان أن التفاوض لا يعني تسليمًا مجانيًا ولا يعني أن الدولة ستصبح فجأة صاحبة الكلمة العليا.
وأخطر ما في الخطاب كله أن الرئيس بدا وكأنه يقدّم نفسه كطرف ثالث،ليس طرف الدولة وحدها وليس طرف الحزب،بل طرف يريد إعادة كتابة العلاقة بين الاثنين.
الخطاب لم يكن ثوريًا ولم يكن استسلاميًا، كان خطاب رجل يريد أن يفتح باب الدولة لكن من دون أن يدخل في معركة مع من يجلس أمامه على الباب
وهنا السؤال الذي يخيف الجميع:
هل (يساير)الرئيس الحزب ليمتصه أم يسايره ليبتعد عنه أم يسايره لأنه لا يملك خيارًا آخر؟
الرجل ذكي وحذِر ويلعب خيطًا دقيقًا بين الديمقراطية الواقعية والسلطة الفعلية.
لكنه يعرف أن أي خطوة زائدة قد تكلف البلد صدامًا، وأي خطوة ناقصة قد تعيد الدولة إلى حجمها الصغير أمام الحزب.
إقرأ أيضا: عندما تكون عيديتا الاستقلال علامتين للّاإستقلال
الخطاب لم يكن ثوريًا ولم يكن استسلاميًا، كان خطاب رجل يريد أن يفتح باب الدولة لكن من دون أن يدخل في معركة مع من يجلس أمامه على الباب.
لبنان اليوم يعيش اللحظة التي لا تحددها الكلمات بل التوازنات،والرئيس يدرك أن التوازن ليس ثابتًا بل قابل للتغيير.
وما فعله في خطابه أنه وضع كرة التغيير في منتصف الطريق،فإما تتدحرج نحو الدولة…
أو تعود إلى أحضان من لا يريد أن يتركها.
وفي الحالتين اللعبة بدأت بالفعل.

