في صيدا، لا يكمن التاريخ في صفحات الكتب بقدر ما يُعجن بالمعمول، ويُنقع في السوس، ويُشرب مع فنجان قهوة مُرّة على مرمى حجر من زئير الموج. إن “ظهر المير”، المنطقة التي ضمت ساحة “حي المير” (أو الميرة)، ليست مجرد موضع جغرافي، بل هي النقطة الصفر في وعي المدينة ومركز ثقلها الوجودي؛ الموضع الذي تتفلسف فيه الحياة وتتجذر فيه الحِرفة، شاهداً على أمجاد “دار المير” التي كانت مقصداً لـ فخر الدين المعني الثاني، فمنحته عمقاً كهمزة وصل بين صيدا القديمة والجنوب، وبوابة لأهم أحداث عصره.
هنا، تتراصف الحِرف كأعمدة معبد قديم، كل عمود يحمل اسم عائلة وتاريخها، ويُسند سقف الذاكرة الصيداوية. فـ “الميرة”، المؤونة، هي زاد الجسد وزاد الروح؛ وإذا كان الصيادون يكدحون لجلب قُوت البحر، فإن أمثال أبي حسن الهبش، سليل عائلة الهبش التي صانت حِرفة الحلويات منذ القرن التاسع عشر، يكدحون لصون قُوت الأصالة. في غرفة متواضعة، يتحول أبو حسن إلى ساعي بريد زمني، يرسل حبات المعمول الطازجة كرسائل وفاء لوصفات “الرملاوي” القديمة، مُعلناً أن الجودة ليست ترفاً بل عهداً تاريخياً لا يمكن نكثه. وهو حين يقصد “قهوة رجال الأربعين” (قهوة أبو فريد رنو)، محملاً ببُشرى المعمول، إنما يلتقي بلب المدينة الفكري؛ حيث المحامون والمعلمون يتبادلون حِكم القانون وفقه اللغة على حائط مدرسة المقاصد، محاذين الجامع العمري الكبير.
هذا الجامع، الذي يحمل اسم عمر بن الخطاب ويقف شامخاً قريباً من الساحة، ليس سوى سجل معماري حيّ، تروي عمارته المتراكمة حكايا الطبقات البيزنطية والصليبية والمملوكية التي تعاقبت على صيدا. إن وجوده يرسخ العلاقة الفلسفية بين الرزق (الحِرفة) والروح (العبادة) والعدل (القانون)؛ فالجميع في “ظهر المير” يسعون خلف الجودة المطلقة.
إقرأ أيضا: إسرائيل تكشف عن أسباب الهجوم على مخيم عين الحلوة!
تشتدّ كثافة الحكاية في ليالي رمضان العامرة، حيث يتحول الحي إلى مشكاة تتلألأ فيها ثقافة التبادل. فبينما يروي السوس والتمر الهندي (وهما حِرفة البساط)، عطش الصائمين كفلسفة صبر تتطلب النقع الطويل، يُعلي حسن العوجي، المتقن لصناعة القطايف والقشطة والبوظة العربية، من قيمة الإتقان عبر التمرية والأورما. هذه الحلويات، التي تتجسد فيها وحدة النسيج، تشاركها حلاوة الجزرية والسمسمية من إرث آل السمرة، والراحة الصيداوية من إرث آل الغرمتي، وصابون آل عودة وآل شركس التي تُعد أقدم صناعات الصابون في الشرق، لتُصبح هذه المنتجات المتوارثة عبر العائلات دليلاً على البركة والخير الموروثين.
“ظهر المير” هو إذن سيمفونية التناقضات المُنسجمة؛ فمرارة القهوة التي يحتسيها أبو حسن، تختلط بعذوبة القشطة التي أتقنها العوجي، وتُغسلُ ببرودة السوس، كل هذا يحدث تحت سمع وبصر المرفأ الذي يروي قصص “النوة” و”السدة” و”مرثية يا بحرية” في مقهى وليد البابا.
هكذا، تتحول صيدا إلى مدينة أُسطورية لا تسرد قصصاً عن القلاع والحروب فحسب، بل تُعلمنا أن الحِرفة في جوهرها هي الفلسفة؛ فإتقان صنع قطعة معمول، أو ضبط حلاوة راحة، أو صيد سمكة، هو في النهاية مقاومة لسطحية الزمن، وإصرار على أن تظل اليد الصيداوية تُبدع وتصون ذاكرتها، مُكرّسةً هذا المكان كـ ميناء المؤونة الروحية الذي لا يغلق أبوابه أبداً. صيدا القديمة، بلياليها العامرة وطقوسها التي لا تشبه سائر المدن، هي حِوارٌ دائم بين الموج والحلوى، بين القانون واللغة، بين كَدحِ الجسد وصفاءِ الروح، رسالة بليغة تجذب كل من ينشد الأصالة والجودة.

