هناك حرب لا يسمعها العالم، حرب لا تطلق فيها الصواريخ بل تقطع فيها أرغفة الخبز. حرب تشن على الشعوب الأفريقية بلا رحمة، حيث يتحول القمح إلى سلاح، والجوع إلى أداة إذلال، والإنسان إلى ورقة مساومة بين روسيا وأوكرانيا.
إنه زمن القسوة المطلقة… زمن تدار فيه السياسات من فوق بطون فارغة، وتشعل المعارك في قلب القارة السمراء فقط لأن الكرملين يريد نفوذا، ولأن العالم صامت حتى عن صرخة الطفل الذي لا يجد رغيفه اليومي.
أوكرانيا وروسيا في أفريقيا: معركة نفوذ تشعل الجوع وتطفئ العدالة
قبل أيام من انعقاد المنتدى الدولي الرابع للأمن الغذائي في كييف في 19 نوفمبر هذا العام – المنتدى الذي كان يجب أن يكون منصة لإنقاذ القارة السمراء من حافة الجوع – تتحرك روسيا بشكل محموم لعرقلة مشاركة الدول الأفريقية، لأنها تعرف أن الحقائق ستقال هناك بلا تجميل: الحرب الروسية هي السبب الأول لاهتزاز أمن الغذاء العالمي، وليس العقوبات ولا الغرب ولا الأكاذيب التي تبثها ماكينة الكرملين الإعلامية.
وروسيا لا تخجل من استخدام القمح كما تستخدم الدبابات: سلاح قتال بارد.
تطلق وعودا بتوزيع الحبوب “مجانا” على الدول الأكثر هشاشة، لكنها وعود فارغة، لا تصل منها إلا الفتات. الفتات فقط… كي تبقى الدول محتاجة، خانعة، مطيعة.
وفي السودان – الجرح الأكبر – تحولت موسكو إلى المتحكم الأول برغيف الناس. بلد كان يعتمد على أوكرانيا وروسيا معا، أصبح اليوم أسيرا لمصدر واحد هو روسيا، بينما يمضي أكثر من 14 مليون سوداني نحو اللجوء والجوع.
المرتزقة… وجه روسيا الحقيقي
تدعي موسكو في منتديات مثل “روسيا–أفريقيا” أنها تقاتل الإرهاب، بينما ترسل فعليا أكبر شبكة مرتزقة في العالم للنهب والقتل.
فاغنر – ومن بعدها “الفيلق الأفريقي” – ليست قوة أمنية، بل عملية سطو مسلح عملاقة على القارة.
في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، أسقطت موسكو حكومات كاملة من أجل حبة ذهب أو موقع نفطي أو قاعدة لوجستية.
استعمار روسي يباع تحت شعار مناهضة الاستعمار
تتشدق روسيا بخطاب التحرّر من النفوذ الغربي، بينما هي تمارس استعمارا جديدا بوجوه حديدية.
تنهب الذهب في السودان ومالي، والماس في أفريقيا الوسطى، وتتحكم بيورانيوم النيجر الذي تعتمد عليه أوروبا.
وتغض النظر عن تمدد الصين في أفريقيا لأنها ببساطة لا تهتم بالحرية ولا بالاستقلال… بل بالموارد.
دبلوماسية الجوع: السيطرة عبر الخبز
تخشى موسكو من منتدى كييف للأمن الغذائي لأنّه يكشف جوهر اللعبة:
إذا بقيت صادرات أوكرانيا محاصرة، فإن روسيا ستستحوذ على أكثر من 40% من سوق القمح في أفريقيا، لتستعمله سلاحا سياسيا يطيل عمر نفوذها.
ومع ذلك، لا تتردد في سرقة الحبوب الأوكرانية من الأراضي المحتلة وبيعها في القارة على أنها “حبوب روسية”.
إنه نهب دولي موثق، لكن العالم يتغافل لأنه يرى أفريقيا مجرد سوق… لا قارة تستحق العدالة.
الأسمدة… جبهة أخرى للجوع
قصفت روسيا مصانع الأسمدة الأوكرانية الكبرى، لتقطع شريانا أساسيا لإنتاج الغذاء في العالم.
النتيجة؟
أسعار زراعة مشتعلة، نقص حاد في الأسمدة، ومزارعون أفارقة يقفون أمام حقول جرداء لا حياة فيها.
الأفارقة… وقود في حرب ليست حربهم
أكثر من 1400 مرتزق أفريقي من 36 دولة جرى تجنيدهم للقتال في حرب لا تخصهم.
شابات من أوغندا وكينيا ورواندا يعملن في مصانع السلاح الروسية، خصوصا مصانع الدرونز في “ألَبوغا”، مقابل أجور مهينة وشروط عمل أشبه بالاستعباد.
كييف تقول الحقيقة… وموسكو تخشاها
بينما تنعقد قمة الأمن الغذائي في كييف لإطلاق مشروعات غذائية حقيقية وتنبيه العالم إلى حجم الكارثة، تنشغل موسكو بتهريب الحبوب المسروقة، ودفع المرتزقة إلى ساحات الدم، والسيطرة على الجياع.
هذا هو الفرق بين مشروعين:
مشروع يريد أن يطعم أفريقيا…
ومشروع يريد أن يخضعها.
أفريقيا لا تحتاج خطابات روسيا، ولا وعودها، ولا استعمارها المقنع.
تحتاج خبزا، تحتاج حرية، تحتاج شراكة لا إذلالا.
والعالم سيضطر عاجلا أم آجلا إلى مواجهة الحقيقة الصارخة:
الجوع لا يمكن استخدامه إلى الأبد كسلاح.
والقارة التي نهضت من الاستعمار القديم، قادرة على إسقاط الاستعمار الجديد… ولو كان يحمل اسم روسيا.

