تبدو الانتخابات النيابية المرتقبة في دائرة بعلبك–الهرمل 2026 وكأنها نقطة تصعيد استراتيجية لمسارات إقليمية تتقاطع فيها الديناميات الأمنية مع التحولات الجيوسياسية في لبنان والمنطقة.
ليست هذه المنافسة البرلمانية مجرد سباق على المقاعد، بل معركة يُعاد فيها رسم خريطة النفوذ بين الدولة والميليشيات والتحالفات الدولية.
التركيبة الديموغرافية وثبات النفوذمن الناحية الديموغرافية
تضم دائرة بعلبك–الهرمل عشرة مقاعد موزّعة طائفيًا: ستة شيعية، مقعدان سنيان، مقعد ماروني، وآخر للروم الكاثوليك. وقد بلغ عدد الناخبين المسجّلين في آخر استحقاق انتخابي نحو 315 ألف ناخب، ما يجعل الدائرة واحدة من أكبر الكتل التصويتية وأكثرها تماسكًا داخل البنية الشيعية.
تاريخيًا رسّخت هذه المنطقة موقعها كمعقل ثابت لحزب الله وحركة أمل. ففي انتخابات 2009 استحوذ الثنائي الشيعي على كامل المقاعد تقريبًا، وفي 2018، ورغم إدخال النظام النسبي الذي فتح المجال لتعددية أكبر، بقيت الهيمنة شبه كاملة مع حصول لائحة “الأمل والوفاء” على ثمانية مقاعد، فيما لم تنجح القوى المنافسة سوى في حجز مقعدين. أما استحقاق 2022 فشكّل ذروة هذا الثبات، إذ حصدت اللائحة المدعومة من حزب الله تسعة مقاعد من أصل عشرة، رغم التململ الشعبي وعمق الأزمة الاقتصادية.
البنية النفسية للولاء الشيعي
هذا الثبات لا يعكس فقط الوزن التنظيمي للحزب، بل أيضًا بنية اجتماعية نفسية تشكّلت منذ عقود حول حماية الجماعة في منطقة لطالما رأت نفسها عرضة للحرمان والتهميش.
لكن السنوات التي تلت 2022 حملت تحوّلات قادرة على إحداث شرخ في هذا الثبات؛ فالحرب الإسرائيلية العنيفة التي طالت مناطق واسعة من الجنوب والبقاع الشمالي تركت ندوبًا عميقة داخل الوعي الشيعي، لا سيما بعد الضربة التي أدّت إلى استشهاد السيد حسن نصرالله في أيلول 2024، وما تبعها من تشييع مهيب في شباط 2025 تحوّل إلى مشهد حداد جماعي وطقس وجداني قلّما شهدته البلاد في تاريخها الحديث.
صدمة الغياب: زعيم شكّل هوية
كان هذا الحدث صدمة نفسية وسياسية في آن. فمنذ انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000 شكّل السيد نصرالله عنصرًا مركزيًا في الهوية السياسية للشيعة. كان رمزًا للاستمرار، وللثبات، وللقدرة على حماية الطائفة في مواجهة الأخطار. ومع رحيله، انكشفت بيئة الحزب على فقدان لم تكن مستعدة له، وتولّدت حالة من الحنين المشوب بالخوف:
حنين لشخصية كانت تشكّل رابطًا وجدانيًا غير قابل للتعويض، وخوف من مستقبل قد تضعف فيه القدرة على المقاومة أو الرعاية أو إدارة الأزمات.
السنوات التي تلت 2022 حملت تحوّلات قادرة على إحداث شرخ في هذا الثبات؛ فالحرب الإسرائيلية العنيفة التي طالت مناطق واسعة من الجنوب والبقاع الشمالي تركت ندوبًا عميقة داخل الوعي الشيعي، لا سيما بعد الضربة التي أدّت إلى استشهاد السيد حسن نصرالله في أيلول 2024
انكماش مالي وصناديق تبرعات على الطرقات
وتضاعف هذا القلق مع تراجع القدرة المالية للحزب. فمنظومة الرعاية الاجتماعية التي كانت لعقود أحد أعمدة الولاء السياسي شهدت انكماشًا واضحًا. كثير من العائلات التي تضررت من الحرب ظلّت تنتظر تعويضات لا تأتي، فيما انتشرت على الطرقات صناديق تبرعات للحزب — مشهد غير مسبوق في تاريخ التنظيم — يُقرأ في الوعي الشعبي كتحوّل من موقع المُعيل إلى موقع مَن يحتاج إلى الإعالة.
هذا التحوّل، رغم محاولات التعتيم عليه، ترك أثرًا نفسيًا بالغًا؛ إذ بات جزء من القاعدة يشعر بأن الحزب لم يعد قادرًا على القيام بوظائفه التقليدية، فيما يخشى جزء آخر الاعتراف بذلك خشية انهيار الإطار الرمزي الذي شكّل لهم لعقود مظلّة أمنية ومعنوية.
الضغط الإقليمي والتحولات الدولية
وسط هذا التبدّل الداخلي، تأتي المتغيرات الإقليمية الراهنة — من التقارب غير المسبوق بين دمشق وواشنطن إلى وضع ملف حزب الله ضمن مربع الضغوط الدولية — لتمارس ضغطًا مضاعفًا على البنية التنظيمية للحزب.
فالحزب الذي اعتاد تقديم نفسه كقوة مقاومة فوق الحسابات الداخلية، يجد نفسه اليوم مضطرًا إلى خوض معركة مزدوجة: الدفاع عن شرعيته الإقليمية في ظل ترتيبات أمنية جديدة لا تعود له فيها اليد العليا، والمحافظة على ولاء قواعده في وقت يشعر فيه الجمهور بأن الأمان الوجودي لم يعد مضمونًا كما كان.
نافذة المعارضة: هل تنفتح؟
من جهة أخرى، تتعامل القوى المعارضة للحزب والمستقلة مع الانتخابات المقبلة بوصفها نافذة نادرة قد لا تتكرر سريعًا. فالتصدعات النفسية داخل بيئة الحزب، وتراجع قدراته المالية، والتغير في التحالفات الدولية، تفتح جميعها ثغرة في جدار كان يبدو محصّنًا بالكامل.
وإذا نجحت هذه القوى في بناء لوائح موحّدة، وبخطاب يعترف بحاجات الأمن لكنه يقدّم رؤية مؤسسية بديلة، فقد تتمكن من تسجيل خرق حقيقي للمرة الأولى. فالفوز بمقعد أو مقعدين آخرين — سني أو شيعي — لأن حزب القوات لديه قاعدة شعبية كبيرة (دير الأحمر ومناطق مسيحية أخرى) — لن يكون حدثًا عاديًا، بل مؤشرًا على تحوّل عميق في مزاج الناخبين الذين اعتادوا التصويت من موقع الولاء العاطفي أكثر منه من موقع الحاجة الاقتصادية أو الخيار العقلاني.
الحزب الذي اعتاد تقديم نفسه كقوة مقاومة فوق الحسابات الداخلية، يجد نفسه اليوم مضطرًا إلى خوض معركة مزدوجة: الدفاع عن شرعيته الإقليمية في ظل ترتيبات أمنية جديدة لا تعود له فيها اليد العليا، والمحافظة على ولاء قواعده في وقت يشعر فيه الجمهور بأن الأمان الوجودي لم يعد مضمونًا كما كان.
استثمار الحزب للحداد: ضعف يتحوّل إلى قوة
إلا أن حزب الله، بخبرته الطويلة في إدارة الأزمات، لا يزال قادرًا على تحويل هذا الضعف إلى قوة تعبئة داخلية. فالحداد على السيد نصرالله يمنح الحزب مادة وجدانية قوية يمكن توظيفها في الحملة الانتخابية لاستعادة اللحمة تحت عنوان “مسؤولية الاستمرار والحفاظ على إرث الشهداء”.
هذا البعد العاطفي لطالما كان أحد أقوى أدواته، ومن المتوقع أن يتعزّز في انتخابات 2026 التي تجري بعد عام واحد فقط على أكبر حدث مفصلي في تاريخ الحزب.
ساحة انتخابية أم اختبار هوية؟
ولذلك تبدو دائرة بعلبك–الهرمل في هذه الدورة ليست مجرد ساحة اقتراع، بل مختبرًا لمستقبل النفوذ الشيعي في لبنان. فهل تستمر السيطرة التقليدية كما هي، مدفوعة بالحنين والخوف؟ أم يدخل الناخب في مرحلة جديدة من الوعي السياسي تجعله يعيد النظر في التحالفات الراسخة؟
وهل ستساهم الترتيبات الإقليمية الجديدة في تحجيم دور الميليشيات ضمن الدولة، أم تمنح الحزب إطارًا تفاوضيًا جديدًا يمدّد عمر نفوذه تحت مظلة دولية–أمنية مختلفة؟
إن انتخابات بعلبك–الهرمل 2026 تتجاوز كونها حدثًا انتخابيًا؛ إنها اختبار لهوية جماعة، ولتوازن قوة داخل طائفة، ولقدرة الدولة اللبنانية على الخروج من ظل السلاح نحو دولة مؤسسية تتخذ قراراتها وفق منطق القانون لا موازين الردع.
والنتيجة، مهما أتت، ستشكّل أحد أهم المؤشرات على شكل لبنان المقبل: هل يتجه نحو دولة تستعيد احتكار العنف الشرعي، أم نحو استمرار نموذج الميليشيا التي تعيد تشكيل نفسها كلما اهتزّت قواعدها؟
اقرا ايضا: علي الأمين: «عصر البندقية انتهى».. وبقاء سلاح «الحزب» هو «باب الفتنة» وسيجرّ الكوارث على الشيعة

