بدعوة من “منتدى جنوبية”، انعقدت في بيروت ندوة يوم الاربعاء في ١٢ من الشهر الحالي، بعنوان “إعادة الإعمار.. الفرص والعوائق” حاضر فيها نائب حاكم مصرف لبنان السابق الدكتور غسان العياش، وقدم لها الناشط السياسي سامي الجواد، بحضور شخصيات سياسية وثقافية وإعلامية بارزة، منهم د. حارث سليمان، د. وجيه قانصو، د. منى فياض، د. وجيه قانصو، والاعلاميون: الصحافي أحمد عياش، طارق دندش، لينا حمدان، وسام الأمين، نبيل مملوك، أحمد ياسين، محسن الامين إضافة إلى رئيس تحرير موقع “جنوبية” الصحافي علي الأمين.
قدّم الندوة الناشط السياسي الاستاذ سامي الجواد الذي انتهى بتقديمه الى طرح جملة اسئلة اهمها: هل يمكن للبنان أن يخوض مشروع إعادة الإعمار في ظل الخلل العسكري والسياسي القائم، ومن دون تسويات داخلية وخارجية؟ وإلى أي مدى تشكل شروط المانحين، وخصوصاً شرط نزع السلاح، عقدة مستعصية أمام عودة الجنوبيين إلى قراهم؟

غسان العياش: كلفة بـ10 مليارات.. والدولة عاجزة عن الإعمار
قدّم الدكتور غسان العياش مقاربة مركّبة تجمع بين المال والسياسة، مؤكداً أنّ الحرب الأخيرة خلّفت دماراً واسعاً تُقدَّر كلفته بما يقارب 10 مليارات دولار تشمل الممتلكات الخاصة والعامة والبنى التحتية.
وبرأيه، تبدو الدولة اللبنانية عاجزة بالكامل عن تمويل إعادة الإعمار بمواردها الذاتية، إذ يستحيل — وفق قدراتها الحالية — تغطية هذه الكلفة من دون فرض ضرائب هائلة يستحيل على الشعب تحمّلها.
أما التعويل على المتضررين لإعادة البناء من أموالهم الخاصة، فهو بدوره غير واقعي، لعدة أسباب:
- قدرة ذاتية محدودة لدى غالبية المواطنين.
- التحويلات من الخارج تخضع لرقابة دولية صارمة.
- الأزمة المصرفية وحجز أموال المودعين تمنع استثمار أي ثروة خاصة في الإعمار.
ويشير العياش إلى أن المبلغ المتوقع دفعه للمودعين، 100 ألف دولار كحد أقصى وعلى سنوات، يعكس حجم الانسداد المالي. كما أن الولايات المتحدة والدول الغربية ستمنع أي تدفقات مالية يمكن أن يستفيد منها حزب الله بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما بدا بوضوح خلال زيارة وفد وزارة الخزانة الأمريكية إلى بيروت. اذن فالرقابة الدولية برايه، سوف تمنع التحويلات من الخارج التي تستهدف اعادة الاعمار عبر قنوات لا تخضع لتلك الرقابة.

ويختصر الدكتور العياش المأزق قائلاً:
“لا يمكن ترك آلاف العائلات بلا مأوى، لكن إعادة الإعمار لن تحصل دون شروط المجتمع الدولي، وأبرزها نزع سلاح حزب الله.”
ويعتبر أنّ الدولة التزمت في اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بوقف الأعمال العدائية، بينما يرفض الحزب السير في أي مسار يفضي إلى إنهاء دوره العسكري، رغم أن “وظيفة السلاح انتهت” كما قال الحزب نفسه حين أعلن أن الجليل بات آمناً.
وبرأيه في النهاية، ان السبب الأساس لرفض الحزب تسليم السلاح يكمن في القرار الإيراني، خصوصاً أن طهران تتعامل مع لبنان كإحدى أوراقها في التفاوض مع الغرب. وقد زادت زيارة علي لاريجاني الأخيرة إلى بيروت — كما يقول — تصلّب قيادة الحزب.

وجيه قانصو: حلقة مغلقة اسمها “الدولة واللادولة”
من جهته، اعتبر الدكتور وجيه قانصو أننا أمام “دائرة مقفلة” إعادة الإعمار تحتاج إلى مال. غير ان المال الخارجي مشروط بتغيير الواقع العسكري، والواقع العسكري لا يبدو قابلاً للتغيير في المدى المنظور.
ورأى قانصو أن الأزمة ليست تقنية بل سياسية – بنيوية: صراع بين الدولة واللادولة. فحزب الله — بحسب قوله — قوي بقدر ما هي الدولة ضعيفة، وبقدر ما المجال العام مستباح لمعادلات الطوائف.
نقطة الارتكاز براي قانصو، ان تعود الدولة وسيادتها، فحزب الله وباقي المكونات يضعفون سلطة الدولة بسبب انحسار المجال العام التي تقوم عليه سلطتها. وحزب الله قوي بسبب ضعف المساحة الوطنية وبسبب التناقضات الموجودة التي مكنته بالنهاية من فرض رئيس الجمهورية الذي يريده، وحيازة الاكثرية النيابية بسبب لعبه على التناقضات الطائفية، والان علينا ان نستفيد من الموقف الدولي المستجد لصالح لبنان ونقوم بما علينا لعودة سيادة الدولة، وان نبني الهوية الوطنية بديلا عن الهوية الطائفية المتضخمة بشكل بشع، فهذه هي فرصتنا الوحيدة للخروج مما نحن فيه.
وخلص قانصو إلى أنّ إصلاح النظام السياسي شرط أساسي يوازي أهمية أي حل لسلاح حزب الله: “حتى لو زال الحزب، لن تقوم دولة قوية ما دام المجال العام فارغاً من مؤسسات فاعلة وشرعية مشتركة”.

حارث سليمان: الدولة العميقة منهارة… وبري أول من ضربها
تابع الدكتور حارث سليمان النقاش من زاوية “المجال العام” نفسها، مؤكداً أنّ بناء الدولة يتطلب إدارة فعّالة، قضاء مستقلاً، أمن محترف، وخدمات لا تخضع للمحاصصة.
وبحسب سليمان، فإن الرئيس نبيه بري هو أول من ضرب ركائز الدولة، حين دفع الشيعة إلى خارج مؤسساتها قبل أن يأتي حزب الله ليأخذهم إلى المشروع الإيراني.
وأكد أن كبار الموظفين في الدولة بات ولاؤهم للطوائف لا للدولة، ما أدى إلى تفكك الإدارة العميقة. ويعتبر أن نهب 34 مليار دولار من احتياطي مصرف لبنان منذ 2019 هو نتيجة مباشرة للمنظومة نفسها. لذلك وحسب قوله، فان اهم بند اصلاحي في لبنان يجب ان يكون اعادة بناء الدولة العميقة بشريا واداريا.
ورأى سليمان أن حزب الله تسبب بالحرب وخسرها لكنه يصر على اعتبارها انتصاراً، ورفض التخلي عن سلاحه. وحذر من أن استمرار احتلال الشريط الحدودي قد يؤدي إلى إفراغ القرى الحدودية من سكانها على المدى الطويل.

طارق دندش ومنى فياض: الأزمة سياسية أولاً وأخيراً
في مداخلته، اعتبر طارق دندش أن بعض الشيعة الموجودين في الدولة — وبخاصة من يدورون في فلك الرئيس بري — هم من يمنعون المصالحة التي دعا إليها العياش مع العرب والغرب، والتي تشكل شرطاً أساسياً لانطلاق الإعمار.
أما الدكتورة منى فياض فقدمت قراءة واسعة لمسار الحروب اللبنانية، من الحرب الأهلية إلى الصراع داخل الساحة الشيعية بين أمل وحزب الله، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الطائف التي رسّخت نظام المحاصصة والفساد. وبرأيها، لا أمل بأي إصلاح ما لم تُستبدل الطبقة السياسية الحالية بالكامل، إذ أن هذه الطبقة لن تتغير إلا تحت ضغط خارجي واضح وحاسم.
في ختام الندوة، بدا أنّ ملف إعادة الإعمار يتجاوز كونه مشروعاً إنشائياً أو مسألة تمويل، ليغدو اختباراً سياسياً عميقاً لقدرة لبنان على استعادة دولته وقراره. فالوطن أمام استحقاق لا مفرّ منه: إما إعادة بناء الدولة أولاً، أو بقاء الإعمار مشروعاً مؤجلاً فوق ركام لا ينتظر.


