في حدثٍ يمكن اعتباره نقطة انعطاف كبرى في السياسة الشرق أوسطية، وصف المبعوث الأميركي توم براك زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن بأنها “تمثل نقطة تحول حاسمة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط”، معلنًا أن سوريا انتقلت من “العزلة إلى الشراكة”، وأن الخطوة التالية يجب أن تكون إلغاء قانون قيصر. لكن ما بدا للبعض مشهدًا ديبلوماسيًا مدهشًا في واشنطن، بدا في بيروت زلزالًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، يحمل انعكاسات مباشرة على موقع لبنان في الخريطة الجديدة للمنطقة.
فمنذ أن أعلن الشرع قبل شهرين في دمشق أنه “تنازل عن الجراح التي سبّبها حزب الله لسوريا”، ورفض أي تدخل في الشأن اللبناني أو خوض مواجهة مع الحزب، كانت المؤشرات تتراكم نحو تحوّل جذري في مقاربة دمشق لعلاقاتها الإقليمية. واليوم، مع ظهوره إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإعلان براك عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب لمواجهة وتفكيك داعش وحماس وحزب الله، يتضح أن الدولة السورية الجديدة قررت أن تقلب الصفحة الإيرانية، وتفتح صفحة أميركية-تركية-إسرائيلية في آنٍ واحد.
من عزلة العقوبات إلى حضن واشنطن
زيارة الشرع إلى البيت الأبيض، وهي الأولى من نوعها منذ استقلال سوريا عام 1946، تعني في جوهرها أن واشنطن رأت في دمشق الجديدة شريكًا لا خصمًا. فإلغاء “قانون قيصر”، الذي فرض عزلة خانقة على الاقتصاد السوري منذ عام 2020، يعني عمليًا رفع الفيتو الأميركي عن إعادة الإعمار وعن تدفق الرساميل الغربية والخليجية إلى الداخل السوري. وهذا التحول لا يخص سوريا وحدها، بل يضع لبنان في مواجهة تداعيات اقتصادية وسياسية متسارعة: فكلما استعادت دمشق عافيتها، تضاءلت أهمية لبنان كمنفذ خلفي أو وسيط بين الشرق والغرب، وكلما تقاربت سوريا مع واشنطن وأنقرة وتل أبيب، بات لبنان ساحة ضغطٍ بدل أن يكون ساحة تأثير.
لبنان بين دمشق الجديدة وطهران المتراجعة
التزام الشرع أمام ترامب بالانضمام إلى التحالف ضد داعش والحرس الثوري وحزب الله، يحمل رسالة واضحة إلى الداخل اللبناني: سوريا الجديدة لن تكون غطاءً للمحور الإيراني بعد اليوم. بل أكثر من ذلك، ستنضم عمليًا إلى الجبهة المقابلة له. فحين يتحدث براك عن “مساهمة سوريا في تفكيك شبكات حزب الله”، فهو لا يقصد مواجهة عسكرية مباشرة، بل إعادة رسم البيئة الجغرافية والسياسية التي مكّنت الحزب من التمدد نحو الداخل السوري منذ عام 2012. وهذا يعني أن الحدود الشرقية للبنان قد تتحول مجددًا إلى خط تماس سياسي، وربما أمني، بين محورين متناقضين.
المفارقة أن هذا التطور يأتي فيما يعيش لبنان أخطر مراحل انقسامه الداخلي بعد حرب الجنوب الأخيرة، وفيما تتزايد الضغوط الأميركية والإسرائيلية على الحزب لسحب قواته من الجنوب. وفي ظل انكفاء إيران بعد سلسلة الضربات التي تلقتها في فوردو وطهران، يصبح لبنان في عين العاصفة: هل يختار مجاراة التغيير الإقليمي والاقتراب من المحور الأميركي-العربي الجديد، أم يظل أسير تحالف متهالك مع طهران التي تخسر أوراقها تباعًا؟
خريطة جديدة للمنطقة… وسقوط التابوهات
البيان الصادر عن براك أشار بوضوح إلى “إعادة تعريف العلاقات التركية السورية الإسرائيلية”، وهو ما يشير إلى مسار تطبيعي ثلاثي يرعاه البيت الأبيض، ويهدف إلى بناء منظومة أمنية شرق أوسطية جديدة، تتكامل فيها أنقرة ودمشق وتل أبيب في مواجهة التنظيمات المتطرفة والمليشيات الموالية لإيران.
هذا المسار يعني أن “المسألة اللبنانية” باتت جزءًا من تفاهمٍ أوسع، يشمل الحدود السورية-التركية، والممرات اللبنانية، ووقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. بكلام آخر، ما كان يومًا من “المحرّمات” أصبح مطروحًا على الطاولة: تطبيع عربي-سوري مع إسرائيل، وتفاهم أمني غير معلن على ضبط الجنوب اللبناني عبر آلية إقليمية وليس فقط عبر “اليونيفيل” أو الجيش اللبناني.
هل ينعكس الانفتاح السوري على بيروت؟
من المنظور الاقتصادي، يمكن أن يشكل رفع العقوبات عن دمشق متنفسًا للبنان، بشرط أن يُسمح له بالاستفادة من الانفتاح التجاري والعبور البري عبر سوريا نحو الخليج. لكن هذا المشهد الإيجابي مشروط بإعادة تموضع سياسي لبيروت، بحيث لا تبدو وكأنها امتدادٌ لطهران. فالمجتمع الدولي، كما تُظهر مواقف براك وروبيو وهاكان فيدان، يتجه إلى مقاربة شاملة للمنطقة تقوم على “تحالف الأمن والاقتصاد”، أي تطبيع مقابل استقرار، وانفتاح مقابل تفكيك شبكات السلاح غير الشرعي.
أما في الداخل اللبناني، فإن رسائل الشرع ستُقرأ في عين الحزب على أنها إعلان قطيعة نهائية معه، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة من التوتر أو إعادة التموضع. فدمشق التي كانت لعقدٍ من الزمن المنفذ اللوجستي للحزب في سوريا، تتحول الآن إلى قاعدة معاكسة، وربما إلى مصدر ضغط عليه عبر التنسيق مع أنقرة وواشنطن.
الختام: لبنان أمام مفترق مصيري
تصريحات براك ليست مجرد إشادة دبلوماسية بزيارة الرئيس الشرع، بل إعلان عن ولادة شرق أوسط جديد تُعاد فيه صياغة التحالفات القديمة. سوريا خرجت من العزلة لتجلس على طاولة الكبار، وإيران تنكمش بعد خسائرها المتتالية، وتركيا تعود شريكًا في هندسة المنطقة. أما لبنان، الذي طالما عاش على هوامش الجغرافيا السياسية، فيجد نفسه اليوم مجددًا في قلبها، لكن من دون غطاءٍ واضح أو توازنٍ ثابت.
إنّ “التحول السوري” الذي باركه ترامب، إذا اكتمل، سيعيد رسم المشرق كله، من الحدود التركية حتى الجنوب اللبناني. وفي هذا المشهد الجديد، سيكون على لبنان أن يقرر سريعًا: هل يظل أسير محورٍ فقد توازنه، أم يلتحق بركب تسوية كبرى قد تعيد إليه بعضًا من دوره الذي ضاع بين حربين ومشروعين؟
اقرا ايضا: محمد جواد خليفة يعود إلى الميدان الانتخابي..وعبدالله بري يدفع باسماعيل بديلا عن عزالدين في «صور»

